-->

الأحد، 22 يناير 2017

الإعلام الجديد ... الغموض في عرض الواقع



ساهمت شبكة الإنترنت في إيجاد شكل جديد من الإعلام عُرف في الأوساط الصحفية والعلمية بـ"الإعلام الجديد - New Media "أو الإعلام البديل، وتعددت تصنيفاته بين مواقع إنترنت، ومجموعات بريدية، هذا بخلاف المدونين أو البلوجرز، والمنتديات الإلكترونية…، ساهم هذا الإعلام في الآونة الأخيرة في جذب الأنظار بعد تفجيره لعدد من القضايا أثارت الرأي العام وأرغمت حكومات كثيرة في اتخاذ قرارات ضد رغبتها.
أظهرت الدراسات الحديثة في مجال الاتجاهات الإعلامية المعاصرة تراجع الإعلام المهني أمام إعلام الهواية الشخصية، بعد التنافس المحموم الذي فرضته الثورة الرقمية، والنمو الخارق لسلطة وسطوة مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك والتويتر وغيرهما، ومستغلاً في ذلك سرعة وسائل الإيصال ووصولها وتحقيق التفاعل معها، وبعد تطور القدرة على تحميل المواد الإعلامية عن طريق الإنترنت، ثم تطورت الشبكة الآن لتصبح أكثر اتصالاً وأسرع وذلك بما أضيف إلى الهاتف المحمول من إضافات، فعبر هذا الهاتف تستطيع أن تحصل على صور وفيديو ثم تقوم ببيعها، الأمر الذي يسّر لأي شخص القدرة على أن يصبح مراسلا أو صاحب محطة إرسال وأن يكون له أستوديو، ويسر للأفراد الاتصال ببعضهم البعض وسرعة بث المعلومة وبالتالي فهناك شبكة عنكبوتية تجمع الأشخاص طوال الوقت وتغيرت خريطة الاستخدامات وأصبح الناس يتحدثون على مستوى عالمي في ثوان، وتتقارب وسائل الإعلام وتتكامل دون أن تنفي إحداها الأخرى.
وبهذا فتح الإعلام الجديد فرصاً جديدة مرتبطة بشكل وثيق بالمسؤولية الاجتماعية، فصار هناك مجال للرأي والرأي الآخر، وتحول المستخدم إلى منتج رسائل إعلامية، الأمر الذي دفع الشباب العربي إلى التحرر من الإعلام الداخلي أو الموجه، والحصول على المعلومات في أي وقت وبكل سهولةٍ ويسر.
الإعلام الاجتماعي والحركات الاحتجاجية
استخدمت الحركات الاحتجاجية العربية مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع للدعوة إلى التظاهر والتجمع وللتواصل مع العالم الخارجي، وساهم انتشار أجهزة الاتصال الجديدة وارتباطها بالإنترنت بتكثيف المطالب بالحياة الديمقراطية بعد أن وفرت الوسائط الإعلامية المرنة فرصة لحرية التعبير والتواصل لاسيما بين الشباب الذي يحاول إحداث تغييرات ديمقراطية في مجتمعاتهم كما حدث ويحدث في إيران، وتونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا وامتدادها إلى العديد من دول العالم الغربي إضافة إلى الكيان الإسرائيلي.
قيل الكثير عن دور الوسائط الإعلامية في إسقاط الأنظمة؛ وظهرت الكثير من الكتابات التي اعتبرت أن مواقع التواصل الاجتماعي على اختلافها هي التي أسقطت الحكومات وهو قول مبالغ فيه كثيراً بطريقة غير معقولة، مع إدراكي أن الوسائط الإعلام الجديد عززت من قيم الحرية والديمقراطية في جميع أنحاء العالم، فالشبكات الاجتماعية على قوتها وعدد المتابعين لها لا تسقط الحكومات وحدها ولكن الناس هم الذين يفعلون.
ومع وجود الأسباب المختلفة عند الشعوب للقيام بثورتها وتعززه بالاستخدام الحسن والمؤطر لوسائل الإعلام يحدث التأثير والتغيير المطلوب في الجانب السياسي، حيث يقول الأكاديمي الدكتور هربرت مولر، وهو ومن الأوائل الذين درسوا تأثير النتوءات الشبابية على الاستقرار السياسي: "أن وجود أعدادًا كبيرة من الشباب في أية مجموعة سكانية يمكن أن يوفر حافزًا للتقدم، أو يمكن أن يؤدى إلى تفاقم المشاكل القائمة، اعتمادًا على الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة، ويمكن أن تؤدي النتوءات الشبابية إلى عملية تراكمية للابتكار والنمو الاجتماعي، بل قد تؤدي إلى الاتجاه التدريجي نحو تدمير المؤسسات القديمة ورفع نخب جديدة إلى السلطة ، وقد تنظم وتوجه طاقات العاطلين عن العمل من الشباب وفقًا لقواعد شموليه!"
وقياساً على الحالة المصرية أو التونسية أو اليمنية أو الليبية !! يبقى السؤال عن مدى توفر خدمات الإنترنت، وعدد القادرين على التعامل مع الشبكات الاجتماعية ونسبة المؤثرين من المدونيين ناهيك عن معدلات الفقر والبطالة كلها أسئلة تحتاج إلى مداولات ومداولات من الخبراء والباحثين في الإعلام للإجابة عنها وتحليها!!
هناك مبالغة كبيرة في الإدعاء بأن مواقع التواصل الاجتماعي كانت سبب رئيسي للثورات الشعبية، خاصة إذا ما تذكرنا أن الحكومات في معظم البلدان التي حدثت فيها الثورات قطعت خدمة الانترنت وشبكات الهاتف وشوشت وحجبت بعض المواقع ناهيك عن ضعف الخدمة في كثير من الدول التي حدثت فيها الثورات، ولكن الفضائيات لعبت دورًا كبيرًا من خلال المتابعة، وحشد ورفع المعنويات والتحليل والاستضافة.
ومع ذلك هذا لا يمنع من التأكيد أن الإنترنت هو الوسيط الأكثر تحررًا وإبداعًا، فأولئك الذين يدخلون الإنترنت ويملكون اللغة وهجائية الكمبيوتر ومهارات الاتصال يستطيعوا استلام، وتبادل، ونشر كمّية لم يسبق لها مثيل من المعلومات بدون امتلاك واستعمال قنوات الإعلام الجماهيري الرئيسية بالضرورة، لذلك عندما تدخل بدايات الإنترنت مجتمع ما تساعد على إحداث تغييرات جوهرية في الدينامية الاجتماعي، ولكن التغيير لا يتم بدون قاعدة حاضنة وخطط شبكية واضحة المعالم، وما وصول سيدة من نوع "آنا باترسون" السفيرة الأمريكية الجديدة في القاهرة "بتقديري" إلا محاولة لإقامة إعلام مواز لإعلام الدولة حيث نجحت خلال فترة وجودها في باكستان بتمويل إعلام موال للولايات المتحدة – وهو الأمر الذي نجح في العراق أيضًا- كونها خبيرة باختراق ساحات البلاد من خلال تمويل منظمات المجتمع المدني ووسائل إعلام مختلفة، عدا أن الـ300 مليون دولار التي رصدتها الولايات المتحدة لدعم الديمقراطية في مصر خاصة وإن هذا المبلغ سيقوم على دعم مواقع وشبكات التواصل الاجتماعي والمدونات وتصب في مصلحة إقامة إعلام مواز لإعلام الدولة.
نعم نجحت وسائل الإعلام الجديدة في التعبئة الشعبية وساهمت في التغيير، لكنّ مثل هذا الإنجاز لا يمكن له الاكتمال لولا التخطيط المحكم بواسطة شبكات الإعلام البديل لإحلال قيادات جديدة بدلاً من القيادات الهرمة التي انتهى دورها ولا تتماشى مع متطلبات المرحلة، ومستغلة في ذلك النفس البشرية الإنسانية في مقاومة السلطة الفوقية والراغبة في الحرية دوماً ومنبهة على تجاوزات السلطة المعزولة في الفساد المالي والسياسي والأخلاقي.
الإعلام الاجتماعي والفيديوهات الشبابية
بحسب موقع Alexa لتصنيف المواقع، "يوتيوب" هو ثالث أكثر المواقع شعبية في العالم بعد غوغل وفيسبوك، بمليار مشاهد يوميًا، وكان قد أطلق في فبراير 2005م، من مدينة "سان برونو" في كاليفورنيا الأميركية، بواسطة ثلاثة موظفين سابقين في شركة "باي بال" للتعاملات المالية عبر الانترنت، يديره اليوم أكثر من 70 تقنيًا هم عمليًا موظفون في شركة "غوغل" التي اشترت "يوتيوب" في العام 2006 بمبلغ 1.65 مليار دولار.
إلى ذلك يوفر الموقع اندماجا سلسًا مع العديد من أدوات "الإعلام الجديد"، حيث يمكن ربطه بفيسبوك وتويتر والمدونات وغيرها من الأدوات، كما يتميز بسهولة استخدامه عبر الهواتف النقالة؛ إذ يسمح برفع الأفلام ذات الامتداد 3GP  من الهاتف المحمول مباشرة.
يتوفر الموقع بالعديد من اللغات الرئيسية في العالم، ومن بينها العربية، ويخضع للحظر والرقابة أحيانًا في بعض الدول، ويدخل موقع اليوتيوب في صُلب أسلحة أي صاحب قضية قد قرر استخدام الانترنت لإيصال رسالته، وبالتالي تنطبق عليه أيضا إمكانية الاستخدام في التشويه والحرب النفسية، والحرب الناعمة، فمثلاً استجاب الموقع للضغوط الأميركية، فقرر حذف أشرطة الفيديو التي ينشرها والتي قد تحمل في طياتها دعاية للإرهاب، من خلال إضافة خاصية تسمح للمستخدمين بالتبليغ عن أي فيديو على أنه يرّوج للإرهاب!.
عربياً، تحول موقع اليوتيوب إلى متنفس سياسي للجمهور؛ فظهرت اللقطات السياسية التي لا تظهر على شبكات التلفزيون، واختلف الجمهور فأصبح الإيقاع سريع وأصبح للفيديو القصير أهميته الأساسية مقابل المادة التلفزيونية الطويلة التي تستغرق وقتًا على شاشة التلفزيون، وفي الحالة السياسة العربية الحالية أصبحت الفضائيات تكتب أسفل الشاشة نقلاً عن موقع اليوتيوب أو فيديوهات بثت على شبكة الإنترنت، وتعدى الأمر إلى قيام برامج من نوع مجلة التلفزيون تخصص جانباً من فقرتها للفيديوهات الشبابية التي تتوافر فيه الإنتاج الحرفي ولها شعبية، ومنها مثلاً قناة على الطاير، وقناة لا يكثر، ونشرة أخبار التاسعة إلا ربع وغيرها.
هي قنوات تعرض قضايا المجتمع بطرق تصل للمشاهد بشكل مبسط، وأكثر حرية، خاصة وأن هذه الأفلام تحمل جرأة في الطرح على المستوى الاجتماعي، وتجارب تعبر عن هموم المجتمع، بعد أن أصبحت الشبكات الوطنية تقلـيدية وفي حالة تردٍ تقني، ومتأخرة جدًا عن نظيراتها، وتطويرها يحتاج إلى كلفة عالية وهذا ما لا يقوى عليه القطاع الخاص.
الإعلام والثورات العربية الغموض!!
ومع الغموض الذي شهدته وسائل الإعلام والتطورات المتلاحقة في أسلوب التعامل معها على المستوى الرسمي، والتنبؤ بآثارها المستقبلية، إضافة إلى قلق فطري من القائمين على الوسائل القديمة من طغيان الوسيلة الجديدة على ما سبقها، جاء التفاعل الشعبي العربي مع وسائل الإعلام الجديدة في فضح ممارسات رجال الأمن وبؤر الفساد السياسي والاقتصادي ونشرها على مواقع التواصل وما صاحبها من جدل وغموض في الشرق والغرب ودخول لاعبين جدد إلى دائرة التأثير، كلها مسائل يقف عندها المتابع لما يبث في مختلف الوسائل الإعلامية، فمع الإعلام الجديد زال الرقيب وأصبح المتلقي مراسلاً من دون وسيط، فالمرسل والمتلقي أصبحا شخصًا واحدًا يتفاعلان ويتواصلان بحرية بعد أن تحول الوسيط إلى شبكة متوفرة لكل للجميع, فلكل فرد القدرة على بناء وسيلته, بعد أن أصبحت سهلة المنال وغير مكلفة، والسؤال المطروح من يحكم  "الوسيط" الذي ساهم في تقديم هذا البث المفتوح ؟
في سيدة العالم "الولايات المتحدة الأمريكية هناك مؤسسة الإنترنت الأميركية للأسماء والأعداد المخصصة (أيكان) ICANN، تعمل في ولاية كاليفورنيا على تنظيم المرور على شبكة المعلومات العالمية كشرطي مرور للإنترنت. وبعبارة مختصرة الحكومة الأميركية تسيطر على المؤسسة وتمنع أي دولة من العمل على الإنترنت، وهناك أربع شركات أميركية تستأثر بـ 75% من صناعة الانترنت على مستوى العالم وهي: غوغل، ياهو، إم. إس. إن، وأميركا أون لاين، وهؤلاء هم أبناء الإدارة الأميركية وأصحاب النفوذ الأوسع.
ومحركات البحث والقواميس العالمية بيد مؤسسات تتبع سيدة العالم فمثلاً القواميس المعتمدة مثل Wikipedia تقدم معلومات رسمية وموجهة، المصدر له حق المراقبة وعدم الموافقة على النشر، وغوغل مثلاً تحليل وتوجيه المشغل عبر تحديد ملفه الشخصي ومكان وجوده.
فالمسيطر والمزود بالخدمة هما شخص واحد له مصالحه مع الشركات الكبرى في المنطقة وفي باقي دول العالم يحكم علمه مبدأ العرض والطلب وأخلاق المجتمع الاستهلاكي الذي لا تحكمه إلا معايير رأس المال ومع ما قيل من دور الإعلام الجديد في تصوير الواقع بكل تناقضاته، وطغيان الواقع الحالي الذي ميز الربيع العربي لعام 2011، إلا أن اعتماد شعار النوعية قبل أيّ اعتبار آخر، هو التحدّي الأكبر للإعلام الجديد المستقبلي، المبنيّ على ثوابت أخلاقية عند المرسل والمستقبل، فالإعلام الجديد الذي سنشهد صعوده بوتيرة متسارعة ليس فيه لاعبون محددون ومشاهدون مفترضون، بل الكل فيه لاعبون، سواء كانوا محترفين أم هواة، وسواء كانوا من الصفوة أو المهمشين، إعلام يقوم بكل الأدوار المتوقعة وغير المتوقعة، لا توجد موانع تحده أو سقف يحول دون صعوده، ومع ذلك ما زال إعلام قائم على الغموض لم نكتشف بعد أبعاده الحقيقية.

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة باسل النيرب 2016 | تصميم : رضا العبادي