-->

الأحد، 22 يناير 2017

تسليع الجسد المستباح



اِزداد حضور الجسد في الخطاب الإعلامي العربي، حيث تسيطر على مختلف الشاشات أجساد تتلّوى من فنانات وراقصات ومقدمات برامج ونجمات إعلان متسلحات بكل ما يلزم من عريّ لحصر اهتمامات الجمهور بالمتعة البصرية، لتفعيل بيع الشهوات الاستهلاكية من إعلانات ونتاجات فنية.
وتتعمد وسائل الإعلام باستعراضها للجسد، على تقديم الجسد المثالي، حيث أصبح الشكل المثالي المسؤول الأول عن درجة الرضا النفسي عند الجمهور، وكلما كانت الأبعاد الجسدية متناسقة زادت الجاذبية مثل الشعر، وبياض الأسنان، والصوت، وشكل السيقان، والطول، وبروز الصدر، والهيكل، وشكل السيقان وهذه كلها حسابات يتميز بها من يهتم بالموضة.
وهذه الأشكال كلها من صنع الإعلام حيث أصبح هو المرجع الوحيد لها من حيث نظام الحمية والإكسسوارات وحتى في طريقة الأكل والمشي، وهذه الصورة لا تقدم الإنسان ذو البعد القيمي، بل الإنسان ذو الحضور الجسدي، لتكشف لنا عن رغباته وحاجاته التي لا تنتهي، فقدمت لنا الجسد المثالي الباحث عن الكمال في صورة تحمل الكذب لتبرير تسليع النفس البشرية في رحلتها للبحث عن الكمال الجسدي، ولاحظ كيف يتم اختيار مقدمي ومقدمات البرامج اليوم هم كما ظهر لي صورة أخرى مغايرة لنجمات الدراما والفيديو الكليب أصحاب مواصفات جمالية ومقاييس عارضي وعارضات الأزياء.
إن التسليع الذي نشاهده في الإعلام العربي للجسد جاء بعد أن تم توظيف الجسد البشري توظيفًا سلبيًا ومهينًا لإنسانية الإنسان، فالغرب على الرغم من كل تجاوزته بحق الإنسانية إلا أن هناك منظم تشريعي لعلاقة الجسد مع الإعلام عن طريق الجمعيات الكفيلة بحماية حقوق المشاهدين حيث تمارس دورها القيمي في منع المعلنين وفي منع المنتجين من التجاوز بحق المشاهدين من خلال تنظيم حملات واسعة لمناهضة استغلال الجسد وحفظ كرامته.
وقد جعلت الموضة من الجسد شيئا يخضع للتركيبات كلها، ووضعته في سياق استهلاكي، فتم بذلك تحويله إلى قيمة استعمالية تبادلية، ووسيلة لجلب الأنظار، وهذا ما يفسر ظاهرة تنامي الاهتمام بالجسد وعوالمه،) المواد التجميلية المتنوعة، أو المواد الاستهلاكية التي تحافظ على وزن الجسد ورشاقته(.
يعد الاهتمامُ بالثوابت الأخلاقية المرتكزة على البعد الإنساني لصناعة الصورة الإعلامية أنجعَ وسيلة لتجاوز هذه الأزمة القيمية، التي أرخت بظلالها على المجتمع العربي، ولهذا وجب التأكيد على أن قيمة الإنسان تكمن في إنسانيته، وفي قيمة عمله، وفي مساهمته في بناء المجتمع، وليس في شكله، أو في مظهره، وإن كان الاهتمام بالجسد يعد أحدَ مظاهر الرقي الحضاري. واستخدام وسائل الإعلام حق من حقوق الإنسان، وليس حكرًا على أصحاب النفوذ الإعلامي والمالي، لذا يجب أن يكون توظيفها بشكل معقلن، يحفظ الحق في التعبير، والرد على كل انتهاك تتعرض له ثقافة معينة.

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة باسل النيرب 2016 | تصميم : رضا العبادي