-->

الاثنين، 28 ديسمبر 2020

لست بحاجة لأن تكون عنصرياً ..


قبل أيام من ختام 2020 ظهرت العنصرية السوداء في أقسى حالتها في منطقة عانت من أكثر أي منطقة في العالم من تبعيات التفرقة باسم الدين والعرق والهوية وكل تبعيات وتعابير العنصرية.. حادثين عنوان لنهاية العام، الأول في الأردن بعد أن اعتدي مجموعة من الشباب "الغوغاء" على ديوان عشيرة أخرى، والثاني لحرق خيم اللاجئين السورين في لبنان على أيدي "عنصريين" .. أما التغطية الإعلامية فلكل طرف مبرراته في سكب الزيت على النار أو على الأقل توضيح ملابسات الأمر والقسم الكبر فضل دفن رأسه في الرمال وتجاهل الأمر.
ما لتفت انتباهي السلوك العام أو السلوك الجمعي للشارعين الأردني واللبناني؛ ليطرح سؤال ما الدافع وراء التغيير المجتمعي وفشل كل حملات التوعية وسهولة الاستثارة والهياج والاندفاع وراء الشغب والعنف والسرقة والتخريب والقتل؟
بالبداية يقصد بالسلوك الجمعي، ذلك النوع من السلوك الذي ينشأ تلقائياً أو عفوياً، ويتصف بأنه غير منظم، ولا توجد له خطة تحكم مساره، وعليه يصعب التنبؤ بتطوراته وما ينجم عنها من أحداث، وحسب علماء النفس والاجتماع الذين فسروا السلوك الإنساني وقت التجمهر؛ فالتجمعات تخضع للتلقائية واللاتخطيط، بمعنى إنها تتسم بالنقص النسبي في التنظيم قياساً بمظاهر السلوك الفردي المنضبط، وتعتمد على التنبيه الداخلي المتبادل بين الأفراد، والذي يتميز بسرعة تقبل الإيحاء والمحاكاة ومسايرة سلوك الرهط والخضوع لعقل الجماعة، وبخاصة عندما تسود حالة الهياج الانفعالي للجماهير ناشئة عن حدوث أو توقع كارثة أو حدث يمس الجميع، أو الاعتقاد بأن أعراف وتقاليد معينة مهددة بالإساءة اليها مع الانتباه إلى أن أفراداً عديدين من بين تلك الحشود، ربما يمارسون أشكالاً متنوعة وخروقات عديدة  للمبادئ ذاتها. 
هذا العقل المخدر بفعل تلقائية الإتباع يُعد قوة مهيمنة على كل فعاليات الجمهرة؛ أي إن الجمهور عند تفاعلهم وبفعل قوة الايحاء يفقدون استقلالهم الذاتي، فيندمجون في مجموعة تهيمن عليه هذه الروح وتملئ على الأعضاء سلوكهم. ولا يمكن القول أن هذه الانفعالات المتأججة وليدة الصدفة؛ بل ما هي تحريرات انفعالية ترتبط بماضي الأفراد وتجاربهم في مجتمعهم، فالعديد من الرغبات غير المشبعة والمخاوف والعقد والأفراح والآمال والأحقاد تستتر وتنكمش بفعل العواقب الوخيمة المتوقعة جراء التصريح والتعبير عنها، وتصبح مقيدة أكثر عندما لا يجد الفرد حوله من يشاركه فيها، واذا ما وجدت تلك المكنونات مخرجاً "في إطار سلوك جمعي" فإنها ستندفع بقوة مضاعفة ناشئة عن تفاعل وتخصيب جميع الانفعالات والعواطف المكبوتة عبر سنوات متعددة، فضلاً عن تفاعل تلك الطاقة المحررة مع انفعالات وعواطف الآخرين في الرهط، فتكبر دائرة الانفعال في وسط يغذيها، ويتعاظم شأنها ويمتد تأثيرها.
 بمعنى أن عواطف وانفعالات أي فرد في الجماعة يمكن أن تنال من الآخر، والعكس صحيح، فتنقلب بترابطاتها إلى فزع ورعب واستفزاز وممارسات غير متوقعة، وما حدث في لبنان والأردن ارتبط بشكل مباشر في سلوك مجتمعي، وأفضل من وصفه عالم الاجتماع الأمريكي "نيل سملسر" في كتابه نظرية السلوك الجمعي، وهي:
  • التركيبة الاجتماعية المساعدة: أي أن السلوك الجماعي لا يحصل دون وجود عوامل مساعدة تساهم في انشاء ذلك السلوك.
  • الضغط الاجتماعي: وهو الذي تضعه السلطة على الأفراد مثل الفقر، والتمييز، والقلق من المستقبل الاقتصادي ونحوها ينتج جهدًا جماعياً للتعامل مع تلك المشكلة.
  • تشكيل رأي عام بمنشأ المشكلة: وهو اشتراك الأفراد بتعريف تلك المشكلة، وتشكيل رأي عام حولها، ثم محاولة ايجاد عمل مشترك للتعامل معها.
  • العوامل المترسبة: فالسلوك الجمعي لا يحصل بمجرد تجمع مجموعة من الأفراد في الشارع؛ بل لابد أن يكون هناك برميل برود ينتظر تلك الشرارة. 
  • القيادة المحرّكة: إذا برزت القيادة فإن السلوك الجمعي بشروطه سيصبح أقوى احتمالاً في اصابة الهدف.
  • فشل الضبط: إذا كان الجهاز الأمني يستطيع السيطرة على انفعال الأفراد وغضبهم، فإن اندفاع الأفراد نحو السلوك الجماعي لتحقيق أهداف ذلك السلوك امراً حتمياً.
يقول "كوستوف لوبون": الفرد في السلوك الجمعي يتجرد من المسؤولية الخلقية أو القانونية أو الاجتماعية فيرتكب أعمالا وحشية لم يكن يرتكبها في الأحوال الاعتيادية، إن حالة الهياج والغضب في السلوك الجمعي تلغي العقل تمامًا لتكون العاطفة وحدها صاحبة الشأن، وأية عاطفة حينئذ؟ إنها الانتقام بكل ما فيه من حقد وتدمير، هي العاطفة الرعناء التي تحمل في طياتها سمومًا خبيثة تستأصل عوامل الخير في المجتمع.
وفي الأخير ضمن السلوك الجمعي الغوغائي تغيب العقلانية ويسود العقل الشعبي واللاوعي وقد يكون الإنسان الفرد مثقفاً ومتحضراً، ولكنه وسط الجموع يمكن أن يصبح بربرياً؛ وما سلوك الحشد في مثل هذه الأوقات إلا استجابة لا عقلانية لإغراءات الموقف الذي تجد الجموع نفسها فيه والسبب غياب دور السلطة.
يا رب الأرباب أنا لاجئ وابن لاجئ وأكتوي ألماً لحال اللاجئين في كل العالم .. ولكن .. إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ




 

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة باسل النيرب 2016 | تصميم : رضا العبادي