"ريان" اليوم طيراً من طيور الجنة يحلق في جنانها ويأكل من فواكها ويشرب من لبنها وعسلها ومائها، يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح، ولكن الكذب والخداع الإعلامي لم يتوقف فقد عاشت المنصات الإعلامية على اختلافها كذباً وتزويراً بحثاً عن السبق الصحفي، والبحث عن ارتفاع أرقام الإعجاب وإعادة التغريد والمشاركة لكل من ساهم في نشر الأخبار الكاذبة.
ولكن لماذا يلجأ الجمهور إلى نشر الأخبار الكاذبة؟
بكل بساطة تكمن المشكلة في ثقتنا المفرطة بأننا سنلاحظ ما هو مهم، كما أننا لا نولي الاهتمام للأشياء الصحيحة في الوقت المناسب، فلا نلتفت للموضوعات المهمة. وإجمالاً هناك ثلاث عوامل لنشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة؛ الأول: أننا غير قادرين على التفريق بين الحقيقة والكذب، الثاني: أننا نعرف الفرق ولا نهتم، الثالث: طريقة تعاملنا مع جمهورنا على وسائل التواصل الاجتماعي والبحث عن متابعين بأي طريقة.
وحتى أحسن الظن "فغالباً" وعندما نشارك الأخبار الكاذبة لا يكون الأمر بسبب الحقد أو عدم الكفاءة، ولكن بسبب الاندفاع وعدم القدرة على التحقق من العناوين وتمييز الأخبار الكاذبة من الحقيقية، وهذا الأمر مرتبط بالقدرة على التفكير النقدي والتعامل مع الانعكاس المعرفي الذي يقيس ميل الجمهور مع الأحداث التي تتطلب التوقف والتفكير قبل نشر المعلومات.
وفقاً لعلم النفس، فإنّ العقل البشري يميل إلى التفكير وحل المشكلات بطرق بسيطة لا تتطلّب جهدًا وطاقة كبيرة بدلًا من لجوئه إلى الطرق الأكثر تعقيدًا، بمعنى أنّ الدماغ يميل إلى البحث عن حلولًا للمشاكل التي تواجهه بشرط أنْ تتطلب جهدٍ عقليّ أقلّ دون النظر إلى مدى ذكائه وهذا ما سماه علماء النفس بمصطلح البُخل المعرفيّ " Cognitive miser".
وفي كثير من الأوقات يكون اللجوء للمعلومات السابقة أو الاختصارات المتوافرة أمرًا مطلوبًا، إذ يساعد على اتخاذ القرارات بسرعة دون الحاجة للتفكير العميق؛ ولكن المشكلة أن مثل هذه الاختصارات والمعروفة في علم النفس بمصطلح الاستدلالات "Heuristic"، يمكن أن تؤدي إلى ارتكاب أخطاء وانحيازات معرفية.
ومن جانب آخر يميل الجمهور إلى تصديق ما يريد تصديقه ونحن كبشر نميل إلى التصديق دون وعي للأفكار التي تتماشى مع قناعتنا السابقة، وهو ما يعرف باسم "الانحياز التأكيدي"، فعندما يرغب الجمهور أن تكون فكرة أو مفهوم معين صحيحًا، ينتهي بهم الأمر إلى الاعتقاد بأنه صحيح وبمجرد تشكيل طريقة عرض نتبنى المعلومات التي تؤكد رأي أو ترفضه لتلقي بظلالها على القرارات التي نتخذها.
ضمن الأخبار الكاذبة والمعلومات المتداولة عن حادثة ريان والبئر ستجد أنها قُدمت بأسلوب قائم على ذكر احداث وشخصيات ووقائع فيها من الكذب والتظليل بقدر يصبح معه المتلقي منسجماً معها، وفي كثير من الأحيان يعمل على نشرها في أكثر من منصة إعلامية لتصبح وكأنها من المُسلمات، وعند التدقيق في القصة وحتى وإن نُسبت إلى جهات يُلاحظ تدني أدني معايير كتابة الأخبار الصحفية فيتم تداولها رغم الإدراك أنها غير دقيقة فتطوف العالم وكأنها أخباراً دقيقة لا يمكن نكرانها.
مما ساعد على نشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة حول حادثة ريان أن الجمهور كان يبحث عن رسالة "تطمين" تبث الأمل دون أن يتوقف أمام الكم الهائل من المعلومات، فكان يختار للنشر ما يوافق هواه وكأنه يبحث عن "الأمل والتطمين" بعد أن استوطن الكذب عقولنا بعد شيوع وسهولة نشر الأخبار الكاذبة وأصبحنا رهينة لما تم قراءته او مشاهدته أو تم الاستماع له.
هي 100 ساعة من الكذب وما زالت الحبل ممتدًا، فتلاعب بالقصص يندس حتى في أكثر القصص الإنسانية صدقاً وقرباً من المشاعر، وحتى تكون وسيلة لصد ووقف الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة فعليك بكل بساطة ألا تفرط في الثقة، وأن تبقي منتبهاً باستمرار للمحيط الإخباري في غالبية الأحداث المنشورة، وأن تجدد سياق المعلومات وتبحث عنها من مصادرها المعتبرة، باختصار هي وصفة مشتركة تتطور ولا تتوقف لكشف الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة.
ليست هناك تعليقات