قِيل الكثير في هذا الباب ولكن المقاربة التي أرها منصفة اليوم تشبه ما حدث أيام خرفات الجهاد الأفغاني والحديث الذي كان دارجاً عن الكرامات، فالكرامات في أصلها يربط الله بها على القلوب وهي حقيقة لا مجال لنكرانها ولكن المبالغة فيها واستخدمها في غير محلها يحيلها إلى خرافة لا تصدق. فمثلاً أطفال الأفغان كانوا يعرفون الطائرات سوف تقصفهم من الطيور؛ فإن رافقتها الطيور كانت لا تقصف، فالطيور حسب الخرافة التي انتشرت كانت للدفاع عن "المجاهدين" وإن ظهرت الطائرات دون طيور عندها يختبئ الأطفال فالقصف قريب!
ومن الدعاة الجدد اليوم وبحسب كتاب "دعاة وأدعياء معاصرون" من قال: إنه كان متجهاً إلى الصلاة، وبدلاً من أن يصلي ذهب ليلعب كرة القدم، وهو يلعب كسرت قدمه، أحس يومها أن هذه رسالة موجهة إليه مباشرة.
من صفات "الدعاة الجدد" المودرن شباب مفتولي العضلات أجسادهم رياضية، قادرين على المناظرة، جاهزين لكل من يتجرَّأ على الدين حسب فهمهم؛ فيهاجمون كل مخالف، ومؤيدين لكل مقرب وراغب في "التوبة" كما يعتقدون، معلقين بالأكثر مشاهدة وحصد اللايكات وصناعة الترند، يجيدون تقديم الخطب "للحشود"، وقادرين على مناورة الخصوم، لا علماً في الدين ولكن طولاً في اللسان، يجيدون الاشتباكات، مراوغين، درسوا مناهج التراث وكتبه فسردوا النصوص والأحاديث وحكايات التراث حتى يتوه المحاور في المناظرة فيحاصره، يدمجون الفصحى بالعاميّة يستخدمون ألفاظاً جديدة تقربهم من الشباب فيعتبرونه واحداً منهم.
من الأسماء المنتشرة لهم عند جمهورهم ممن يُكرمهم بالمشاهدة "أسد الإسلام"، "غضنفر الدعوة"، "مطارد العلمانيين"، مواجهه الملحدين"، "واضع الحد للمتمردين على الدين"، ومن سمات الدعاة الجدد أنهم يخضعون لثقافة الصورة وضغوطها، تلقوا تعليمهم الديني خارج المؤسسة الدينية أو من خلال التثقيف الذاتي، يرتدون الملابس العصرية، يقدون خطابًا بسيطًا يربط الدين بالحياة والمشاكل الاجتماعية، جمهورهم من الشباب والنساء، ينتمون إلى الشرائح الاجتماعية المترفة التي في حاجة إلى فتوى أو كلمة "حلوة" لا تحرمهم مباهج الحياة، لذا فهم يتناولون قضايا معينة من الدين، يوصف أدائهم بالتمثيل، متأثرين بطرق التنمية البشرية وأساليبها.
ومن أساليبهم وخاصة في الأمر الشرعي الذي يفعله القريب منهم يصبح من صميم الدين وما يفعله الغريب عن وسطهم "معصية"، يروجون لقشور الدين وقصص التراث التي عليها خلاف، وفي كثير من قصصهم سرد الإسرائيليات، لذا فهم يروّجون قشوراً، ولا يهتمون بعمق الأمور، لا مجال عندهم للاختلاف والرأي الآخر فالقاعدة التي يعلمون عليها لا أريكم إلا ما أرى.
يهتمون بالإعلان لرفع نسب المشاهدة فكانت قصصهم من المرويات التاريخية الأسطورية في التاريخ الإسلامي التي قُدمت على أنها الدين، لذا فإن فساد الدعاة الجدد لا يقل عن فساد مسلسلات رمضان فالأول يعامل الطرف الآخر كمارق خارج عن الملة ولا بد أن يتوب ويرجع إلى الله. والثانية "مسلسلات رمضان" أخذت من هوامش المجتمع وسلطت عليه الضوء ليكون هو الأصل وباقي قضايا المجتمع الأكثر أهمية والأكثر إشراقاً لا تجد من يُسلط عليها الضوء.
المقاربة بين الاثنين تكشف أنهما وجهان لعملة واحدة فالبيئة التي أنبتت خرافات الجهاد الأفغاني هي ذات البيئة التي روجت لخرافات الدعاة الجدد وإن اختلف المكان والأسلوب، فالأول في مكامن الجهاد وموجات الإرهاب والضرب بالقنابل والمفخخين تجاه الأبرياء، والثاني في مكامن الفن والأوساط الاجتماعية المترفة وتبسيط الدين إلى أقصى مدى، والنتيجة ماذا فعلوا بالإسلام فلم تعد منابر المساجد وما يقال فيها من صحيح الدين إلا ما رحم ربي.
ليست هناك تعليقات