-->

الخميس، 28 أبريل 2022

العنصرية في البيئة الرقمية الأردنية والفلسطينية



 

ما دفعني للكتابة حول هذا الموضوع كمية العنصرية المتواجدة في البيئة الرقمية الأردنية والفلسطينية مع تشابه الظروف في كلا الدولتين، فمثلاً الدولة الأردنية مبتلية بفساد مالي وسياسي، وكذلك السلطة الوطنية الفلسطينية مبتلية بفساد مالي وسياسي واحتلال، وفي كلا الدولتين هناك حسابات تؤجج الأفكار الداعمة للعنصرية ونشر خطاب الكراهية والتحريض ولم تتوقف حتى في أشد الأوقات سوداوية، هذه الحسابات الوهمية مدعومة من جهات ودول تدعي أنها (أردنية، فلسطينة) "تدافع عن همومها" كما تقول، وتهاجم الطرف الآخر.

ولم يقتصر الأمر على ذلك بل امتدد الطعن في القدس الشريف والوصاية الهاشمية على الأقصى، وكل طرف يحاول أن يعدد الإيجابيات التي تحتضن آراءه، وأصبحت البيئة الرقمية ساحة لسجالات عنصرية وخطاب كراهية لم تتوقف، وأصبح كل حساب على المنصات الاجتماعية سواءً كان حقيقيًا أو وهميًا بما يشبه رأس حربة في مواجهة الطرف الآخر طعنا وتخويناً وقذفاً.

أردنياً، أكد الدستور الأردني على مبدأ "المساواة" و "عدم التمييز على أساس العرق أو اللغة أو الدين" ونصت مواده على أن "الأردنيين سواسية أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين"، ونصت المادة الـ 14 من الدستور: "الدولة تحمي حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقاً للعادات المرعية في المملكة ما لم تكن مخلة بالنظام العام أو منافية للآداب".

ويؤكد قانون الإعلام المرئي والمسموع يؤكد على "التزام وسائل الإعلام المختلفة بعدم نشر أو بث كل ما من شأنه إثارة النعرات الطائفية والعرقية، أو ما من شأنه الإخلال بالوحدة الوطنية، أو الحض على التفرقة العنصرية أو الدينية" ويُجرّم قانون العقوبات الأردني وقانون الجرائم الإلكترونية خطاب الكراهية والذي تم تحديده: بـ "كل كتابة أو خطاب أو عمل يقصد منه أو ينتج عنه إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة".

فلسطينياً، لم تتطرق التشريعات المحلية إلى خطاب الكراهية بشكل خاص؛ فاعتبر القانون الأساسي المعدل لعام 2003 الفلسطينيون سواء وفقاً للمادة الـ 9: "لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة"، وكفل حرية الرأي والتعبير في المادة الـ 19، والتي تنص على: "لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن" مع ضرورة مراعاة أحكام القانون.

وطالما أن الدستور الأردني يرفض العنصرية، وقانون الإعلام المرئي والمسموع يؤكد على "التزام وسائل الإعلام المختلفة بعدم نشر أو بث خطاب الكراهية، ويُجرّم قانون العقوبات الأردني وقانون الجرائم الإلكترونية خطاب الكراهية وإثارة النعرات الطائفية، كذلك القانون الأساسي الفلسطيني يحارب التمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة وكفل حرية الرأي والتعبير؛ فمن أين تسللت الخطابات العنصرية إلى البيئة الرقمية في المجتمعين الأردني والفلسطيني؟

تشكلت العنصرية بسبب طبيعة تقسيم الدولة الأردنية وطبيعة حصر السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية دون ممارسة فعلية للسلطة الفلسطينة على أرض الواقع، فمثلاً في الأردن شكل الواقع الديمغرافي بتركيبة السكان عاملاً مساعداً للتفرقة "شمالي جنوبي"، "بدوي فلاح" مع وجود 13 مخيم فلسطيني و3 مخيمات سورية وعمالة وافدة.

وفي فلسطين تقوقع السلطة على الضفة الغربية وتشكيلها من فصيل واحد دون اجماع وطني شكل عنصرية مفرطة تجاه المكون الفلسطيني وأمتد إلى المكون الأردني هجوماً ذماً وقدحاً.

كذلك سياسة المحاصصة في الوظائف والمناصب خلقت بيئة خصبة للعنصرية في كلا الطرفين، وبسبب طبيعة تشكيل مجلس النواب الأردني وما يقوم به من خدمات حسب المناطق دون النظر إلى مصلحة الدولة، فكل نائب ينظر إلى الأمر من زاويته الخاصة وكأن المنطقة أو العشيرة التي يمثلها هي مكون الأردن الوحيد، وكذلك الحال بالنسبة للجانب الفلسطيني فلا وجود حقيقي لمجلس تشريعي فلسطيني يشمل الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية يقدم الخدمات إلى كافة أبناء الشعب واقتصر الأمر على خدمة الأحزاب للتابعين لها حركياً في الضفة الغربية وغزة.

وشكلت الهزائم السياسية والاجتماعية والضغط الاقتصادي عند الطرفين (الأردني، الفلسطيني) متنفسًا للتعبير عن العنصرية الجاهلية، فغذى كل طرف العنصرية، واِشتركت العاطفة والعقل معاً في تلبية الرغبات العنصرية، وبما أن العاطفة هي الأقرب من العقل في التعامل مع العنصرية فتحولت إلى غريزة ظاهرة جاهزة للانقضاض على أي طرف ليس معي في ذات القارب.

وكما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي "الفكر يضع قناعاً خاصاً على الوجه"، ويبقى الطبع ومهما حاولت الظروف كسره وتهذيبه يبقى غلاب، وتبقى العنصرية ثقافة تظهر على شكل سلوك تغذيها المرويات الشعبية، والخطابات السياسة عند بعض "النخبة" إما علناً أو في الأوساط الخاصة، كما يُغديها الخطاب الفكاهي عن سابق إصرار وقصد وترصد، وعلينا أن نعي تمامًا أن مصيرنا مشترك على هذه الأرض بكل مكونتها ومن يرى غير ذلك فأرض الله واسعة .

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة باسل النيرب 2016 | تصميم : رضا العبادي