عندما كتب الشاعر البريطاني جورج غوردون (Georg Gorden) قصيده (Childe Haold) التي يصف فيها تجربته وألمه ومعاناته، وفرحه رغم ذلك، شبّه نفسه بالمصارع الروماني الذي يتألم ويتعذب في القتال، لكنه يبقى فرحاً بمجابهة الموت وفرحاً بصراخ المحتفلين بقوته، وقياساً على هذا الوقع ما تقوم به المواقع الهزلية في نشر الأخبار الساخرة والتي وصفها مرصد "فيرست درافت" أنها أخبارًا غير مؤذية ولا تسبب الإهانة، إلا أنها تستخدم المعلومات غير الواقعية لصنع الدعابة، كما تقوم بتسخيف القضايا وتسليط الضوء عليها من خلال اختلاق قصص إخبارية لاذعة.
هذا النوع من الأخبار لا يحمل نية التسبب في الضرر إلا أنّه يضلّل الرأي العام وهنا الكارثية الحقيقة، وأقرب مثال في الأيام الماضية ابتسامة تمثال أبو الهول مهما كان من نشر الخبر ومن تحدث حوله من خبراء التصوير والآثار أين عقل من روج الخبر وتناقله على أنه خبر حقيقي فلو سئل نفسه سؤال واحد فقط منطقي منذ متى والأحجار تغمض عينها لفند الفكرة قبل أن تكون ترند عالمي أم أن الزمان عد لتقديس الحجارة الصماء!!
مشكلة هذا النوع من المواد أنها تُنتج بشكل ساخر، وتستقي محتواها من شبكات التواصل الاجتماعي وتخاطب الشباب بشكل خاص، والفريق القائم عليها يحتاج إلى مهارات عالية أهمها أن يكون فريق مبتكر وقادر على صياغة قصص خيالية مؤثرة، وكلما كان تصميم الموقع الهزلي محترفاً كلما كان مؤثراً أكثر.
احصائياً وبشكل تقديري يبلغ عدد المواقع الهزلية 46 موقع عربي وعالمي، ومع هذا الانتشار لها هل يمكن التميز ما بين الأخبار الساخرة والأخبار الكاذبة؟
من حيث الدوافع تُستخدم السخرية للإشارة إلى أخبار حقيقة سواء كانت اجتماعية أو سياسية؛ بينما تعمل الأخبار الكاذبة تحت ستار الإعلام ذو المصداقية العالية لإقناعك بالكذب لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية والأصل أن لا تعرف أنها أخباراً كاذبة على عكس الخبار الهزلية التي تعرف أنها أخباراً هزلية.
من حيث الدقة كل من الأخبار الكاذبة والأخبار الساخرة غير صحيحة، لكن الاختلاف الرئيسي يكمن في النية؛ فيتم إنشاء الأخبار المزيفة بنية متعمدة للتضليل وتكون بطبيعتها مخادعة. بينما تعتمد الأخبار الساخرة على قصص غير صحيحة من الناحية الواقعية، وتهدف إلى السخرية والحديث عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وعند البعض السخرية شكل من أشكال "الأخبار المعارضة".
وبناءً على ذلك هل يمكن لمختلف أنواع الجمهور التمييز بين الأخبار الساخرة والأخبار الكاذبة؟ الحقيقة الأقرب للدقة لا والأسوأ من ذلك أنهم ينظرون إلى السخرية على أنها حقائق، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وختاماً؛ صحيح أن الأخبار الساخرة تسلينا ولكن في ذات الوقت تخبرنا بالمشكلات التي يجب أن نتعامل معها، ومشكلة هذا النوع من الأخبار أن الكثير من المتلقين لا يفهمون أنها ساخرة، ويستقبلون المعلومات الواردة كأنها حقيقة، لذا صنّفتها المراصد العالمية للتحقق من الأخبار على أنها نوع من أنواع التضليل كونها تضلّل الرأي العام، كما أشارت منظمة اليونسكو أن الجمهور وبسبب تعرضهم للكثير من المعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، قـد يتولد لديهم الارتباك عند قراءة مثل هذه الأخبار، فلا يُميزون بين ما هو ساخر وما هو جاد، ومع ذلك تبقى الأخبار الهزلية وسيلة لزيادة وعي الجمهور بالوضع الحالي للأمور وتحديد وجهات نظرهم باستخدام الفكاهة والسخرية، ومواجهة الواقع.
ليست هناك تعليقات