امتزج التطور التكنولوجي مع إعلام اليوم وانتشرت الأخبار الكاذبة لتتحول إلى فن من "الفنون الراقية"، وأصبح له مكانه ووسيلة للنشر بعد تحول الجمهور إلى المنصات الاجتماعية للحصول على الأخبار أولاً بأول، ومع شيوع تكنولوجيا الاتصال وسيطرتها على تطبيقات التواصل الاجتماعي وبدأ عصر المعلومات الكبيرة والذكاء الاصطناعي لتكون للأخبار الكاذبة اليد الطويلة في الكثير من الأحداث، ثم دخلت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي للكشف عن الأخبار الكاذبة، ثم تطورت إلى حد كتابة الأخبار الكاذبة وأصبحت احدى وسائل الخداع الإعلامي.
يعتمد الذكاء الاصطناعي على تقنية Machine Learning "تعلم الآلة" وهي طريقة تحاكي عمل بعض أجزاء المخ البشري، حيث يكتسب المخ البشري الخبرة غالباً عن طريق التجربة وذلك بتعرضه لمواقف تجعله يتعلم كيف يتعامل في مواقف مشابهة، وهذا ما يحدث في برامج الذكاء الاصطناعي فهي تتعلم عن طريق التجربة.
في مسألة الأخبار الكاذبة تمييزها أصعب وحتى يمكن للتقنية أن تنجح وتكتشف الأخبار الكاذبة؛ تحتاج أن تعطي لبرنامج الذكاء الاصطناعي أمثلة مختلفة للأخبار الكاذبة والصحيحة كذلك مع معطيات تحدد سبب الكذب ومنها على سبيل المثال نطاق الموقع، مصدر الخبر، الصورة، الصياغة، التباين بين العنوان والمحتوى وغيرها؛ وكلما كان الخبر مكتوباً باحترافية ومزج الكاتب ما بين المعلومات الكاذبة والمعلومات الصحيحة كانت المهمة أصعب لتميز الخبر الكاذب.
وإذا كانت برمجيات الذكاء الاصطناعي تطورت في مجال الكشف الأخبار الكاذبة؛ فهي تطورت كذلك في مجال إنشاء الأخبار الكاذبة، وتعمل التقنية على استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعي ضد بعضها لتنشئ محتوى كاذب باحترافية أكبر، فمثلاً يقوم برنامج بإنشاء خبر كاذب ثم يمرره إلى برنامج مصمم للكشف عن الأخبار الكاذبة، وإذا تمكن من كشف كذب الخبر، يتم تمرير تلك المعلومة للبرنامج الأول ليحسن من جودة المحتوى الكاذب الذي ينتجه ثم يمرره للبرنامج الثاني وهكذا.
بذلك تزداد سرعة تعلم تلك البرامج ويزداد ذكاءها وتتحسن "قصة" الأخبار الكاذبة وهي طبعاً تنتج غير النصوص فيديو وصور بطريقة محترفة جداً بتقنية Deep Fake، تُمكن المستخدم من وضع وجه شخص على جسد شخص آخر وإنتاج دليل كاذب بالصورة وبالصوت، ويتم تدريب تلك البرمجيات على إنشاء تلك الأخبار والصور المتحركة والثابتة بنفس طريقة تدريبها على إنتاج وكشف الأخبار الكاذبة النصية.
طريقة عمل الأخبار الكذابة ومحاولة تعديل نفسها من خلال الكشف عن نقاط الخلل أكده خبير الذكاء الاصطناعي Jack Clark مدير السياسيات بمعهد الأبحاث OPEN AI، الذي قال أن هناك برامج قادرة على إنشاء محتوى ضار وبسهولة، وتقليد منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، أو أي محتوى نصّي آخر، مثل الفضائح الانتخابية مثلاً، ولكن المنتجات الحالية من هذه السلسلة الكاذبة في حاجة إلى إدخال تعديلات برمجية لتكون القصص المزيفة مقنعة، والتغريدات الوهمية أكثر تداولاً وهو وقت لن يكون طويلًا فقد دخلنا في عصر تعلم الآلة لكتابة الأخبار الصحفية ومثال ذلك تعهد جمعية الصحافة البريطانية بدعوه من Google إلى روبوتات الذكاء الاصطناعي لكتابة القصص الخبرية المحلية بالتعاون مع شركة Urbs Media.
وكذلك مشروعات مختبر "MIT MEDIA LAB الذي طُوّر خوارزميات لبرنامج ذكاء اصطناعي أطلق عليه اسمه Shelley، يؤلف وينشر قصص رعب احترافية على حساب في تويتر بالاعتماد على مساهمات المستخدمين الأكثر أهمية وإبداعًا، والأكثر حصولًا على الإعجابات والمشاركات.
اللغة هي مكان الحل الدقيق في قدرة الذكاء الاصطناعي على تأليف والكشف عن الأخبار الكاذبة وقدرة خوارزميات قدرات الذكاء الاصطناعي على تصنيف المعلومات المغلوطة من المعلومات الصحيحة من خلال التعامل مع النصوص التي هي أساس الذكاء الصناعي، وعندما يكون بإمكاننا التعرف على المعلومات الزائفة، نكون فعلاً وصلنا إلى مرحلة الذكاء وهي عمليه صعبة تتعلق بحوسبة اللغة؛ فلا يستطيع الإنسان مهما بلغ من العلم معالجة هذا الكم الهائل من المعلومات على أنواعها النصية والمصورة والفيديو ومقارنته مع ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي مع المصادر الأساسية للمعلومات والتأكد من موثوقية ومصداقية المعلومات.
وتكمن الصعوبة في كشف زيف المحتوى العربي بسبب نقص المحتوى الموجود أصلاً باللغة العربية فمثلاً ما يُكتب باللغة الإنجليزية ثري، لهذا من الممكن التحقق من المعلومات عند نشرها عشوائياً... أما في اللغة العربية هذا الأمر لا يزال صعباً جداً؛ لأن المحتوى الرقمي العربي ما زال ضعيفاً، كما أن المعلومات الصحيحة مثل الكاذبة تُنشر غالباً دون ذكر المصادر، بالإضافة إلى صعوبة التعرف الآلي على الكلمات والجمل المنشورة على شبكات التواصل، فالمعالجة الآلية للغة العربية رغم أن مراكز الأبحاث تعكف عليها، لا تزال غير مثمرة فعلياً وما هو موجود ويخدم اللغة العربية تطبيقات تعتمد على الذكاء الصناعي في تنبيه المستخدم بزيف الأخبار وتترك له خيار البحث.
وفي النهاية نقول أن التفكير النقدي البشري هو أفضل خط دفاع، فعندما تقرأ خبراً، وقبل أن تساعد على نشره، اسأل نفسك عن مصدره ومصداقيته وعن المستفيد من نشره.

ليست هناك تعليقات