أشار "جستن روزنستين"، مخترع زر الإعجاب لدى فيسبوك أن الهدف الأساسي عند اختراع الزر كان نشر الإيجابية؛ ولكن اتضح أن الزر تسبب في حالة اكتئاب لدى أولئك الذين لم يحصلوا على إعجابات بمقدار ما حصل عليه أصدقاؤهم، بالتالي غيروا سلوكهم لجلب المزيد من نقرات الإعجاب. وحتى ينالوا الاعجابات قبلوا أن يكونوا سلعة مستهلكة الأمر الذي دفعهم للذهاب بعيدًا في منشوراتهم؛ فنشروا المزيد من الصور وكتبوا تعليقات أكثر، وأشد، وأسخف للحصول على أكبر عدد من "اللايكات"، وحرصوا على تحديث الحالة المزاجية باستمرار ومشاركه مشاعرهم وأفكارهم ويومياتهم.
عند هؤلاء يحفز "اللايك" شهوة حب الظهور ويعزز ثقتهم بأنفسهم، فيصبحون أسرى لعدد المتابعين الذين يتفاعلون معهم، وهنا تتعد أشكال ما يمكن أن نسميه خرق القوانين المجتمعية، فتجد الذم والقدح في جهات وأشخاص، ونشر محتوى مبتذل وتافه، وصور فاضحة، والكذب والافتراء، وتحطيم المبادئ والقيم أو أن يركب أحدهم الموجات السياسية لينال "اللايكات".
وكامل المسؤولية على المستخدم الذي أصبح سلعة فلا يدقق أو يتحقق والهم الأكبر جمع أو توزيع عدد كبير من "اللايكات" ضمن حالة هستيرية يتساوى فيها العارف والجاهل، فالكل يلهث في المسار نفسه ضمن حالة إغوائية أصبحت مقياساً في سُلم النجاح والشهرة وتعزيز الثقة بالنفس.
وإن كان فيلم The Social Dilemma "المعضلة الاجتماعية"، بين أن نظاماً من الذكاء الاصطناعي صنع حالة إدمان لدى المستخدمين؛ وبالتالي جنى مؤسسي تلك الشبكات ومستثمريهم أرباح خيالية؛ فإن عقولنا هي الأخرى انجرفت خلف اللعبة وأصبحت تسعى وراء الاستحواذ على انتباه المستخدمين عبر برمجتها بأفكار غير صحيحة، والخوض في معارك ضارية لتحصيل "اللايكات".
لا أنفي دور "اللايك" في التواصل الرقمي؛ فنحن نعيش في عوالم مختلفة وتتآكل قدرتنا على التعاطف والتفاهم، ولكن أصبح "اللايك" طريقة للتعبير عن الاهتمام بشخص ما والتقرّب منه، وهناك من يستخدمه كنوع من المجاملة بين الأصدقاء والأقارب، أو يستخدمه ليخبر صاحب المنشور أنه قد رآه وفهمه، وهناك من يستخدمه للعتاب وللتعبير عن الحب والامتنان والغيرة، وغيرها من المشاعر الخفية.
ولمن يعتقد أن خدع "اللايكات" وألاعيبها من عبيدها ومريدها غير مكشوفة فهو جاهل؛ فالعديد من الوكالات الإعلامية تمتلك أدوات تُمكنها من التعرف على الحسابات التي تلجأ إلى المتابعين والاعجابات الزائفة، وهي ممارسة تم تطويرها من خلال الموردين ومقدمي الخدمات على الإنترنت من الذين يسوقون النقرات أو المعجبين ويتم تشغيلهم تلقائيًا، وعادة ما تكون إما روبوتات تحاكي السلوك البشري أو أشخاصًا يتقاضون أجرًا للنقر على زر الإعجاب ومتابعة الحسابات.
لذا لا تصدقوا كل "اللايكات" فالتكنولوجيات الحديثة للمعلومات مكنت من يملك المال أن يزيد من عداد "اللايكات" ويشتري شهرة زائفة، والهدف منها إعلاني والمستخدم هو الضحية، لذا النصيحة المُثلى هنا أن تدقق في المضمون دائماً، ومع ذلك يبقى من الصعب قياس سوق الخداع بأرقام دقيقة؛ فلا توجد نصوص قانونية واضحة تمنع أو تعتبر شراء "اللايكات" نوعًا من التزوير، ويبقى تصريح الفيلسوف والسيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو، عما آل إليه الوضع بحلول الإنترنت وانتشار المواقع الاجتماعية، حيث قال: أُعطيَ حقُّ الكلام لفيالق من الأغبياء كانوا من قبل لا يتكلمون إلا في البار، بعد كأس أو اثنتين، ولم يكونوا يسيئون إلى المجموعة، إذ كان يتمّ إسكاتهم فورًا، أما اليوم، فلهم من الحق في الكلام ما لفائز بجائزة نوبل".
وأخيراً من الحقائق الثابتة أن المواقع الاجتماعية أفرزت نجومًا زائفة، والبعض الآخر منها ساهم في الكشف عن المسكوت عنه، والحق أن الإنترنت مرآة المجتمعات البشرية وكشفت عما يتسم به بعضهم من ثقافة ومعرفة وسعة اطلاع، مثلما فضحت مقدار الجهل الذي يعشش في عقول الكثيرين.
يقول الفيلسوف أمبرتو إيكو "فيسبوك كثّف المؤامرات والمقالب، ونشر الأكاذيب الأكثر غرابة، ودعّم الخرافات والتطير، واحتفى بمزاعم كل فرد".
________________________________________________________
*قالها الكاتب والروائي د. نبيل فاروق، نوفمبر 2019 ضمن الجلسة الثانية لمؤتمر وسائل التواصل الاجتماعي، تحت عنوان دور المؤسسات الثقافية والإعلامية والدينية في مواجهة الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ليست هناك تعليقات