-->

الأربعاء، 3 فبراير 2021

شبكات التواصل الاجتماعي وهندسة البشر

 


حققت شبكات التواصل الاجتماعي في بداية ظهورها إنجازات إنسانية لا يمكن نكرانها، وفي الوقت نفسه تغرينا تلك الشبكات وتدفعنا على الإعجاب، الدردشة، التعليق، والمشاركة والحظر في قائمة لا حصر لها من الإجراءات، وتستمر المنصات في حثنا بشراء منتج أو خدمة لم نرغب فيها، وتقرر الشبكات كيف يجب أن نعيش، وتستغل شركات وسائل التواصل الاجتماعي الغرائز الاجتماعية والبيولوجية التي ترعى نزعة السعي وراء المكافأة بواسطة برمجة تفضيلاتنا للأشخاص والأماكن وأساليب الترفيه والمتعة والتسوق والقراءة وخطوط الطيران والسفر وكافة تفاصيل الحياة اليومية؛ والهدف إبقاء المستخدمين في حالة انتباه كامل لإشعارات منصات التواصل الاجتماعي طوال الوقت.

وتقوم هندسة وسائل التواصل الاجتماعي على تحويل مستخدمي المنصات إلى مدمنين وهو ما أشار له "شين باركر" أول رئيس لشركة Facebook فيقول أن فكرته‎‏ تتمحور حول إبقاء المستخدم على المنصة لأكبر وقت ممكن وتشجيعهم لتقديم معلومات ومشاركة أكبر، عن طريق خدمات تحفز هرمون الدوبامين ، مثل ميزة الإعجاب والمشاركة والتعليق على الصور التي تعطي الشعور بالارتياح مما يحث على الاستمرار بالمشاركة والبقاء أطول فترة ممكنة على المنصة وهو هدف منصات التواصل الاجتماعي ببرمجة العقل وفق معايير علم النفس العصبي وعلم الاقتصاد العصبي، لمراقبة ردود أفعال المستخدمين وطلباتهم المختلفة وإرسال إشعارات للشركات ومن ثم تحسينها وتطويرها لحث المستخدم للبقاء فترة أطول، وبصورة واضحة "تغير طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع، الله وحده يعلم ما تفعله بأطفالنا.

وتُعامل منصات التواصل الاجتماعي المستخدمين وفق قاعدة في علم النفس تسمى "الخوف من فقدان الشيء" أي جعل المستخدمين دائمي الترقب لكل ما هو موجود خوفًا من تفويت حدث أو موضوع، وعندما سأل مقدم برنامج 60 دقيقة أندرسون كوبر مدير المنتجات السابق في غوغل ترستان هاريس "هل تقوم شركات وادي السيليكون ببرمجة التطبيقات أم برمجة عقول الناس؟" فأجاب بأن هذه المنتجات من أجهزة وتطبيقات وخصوصًا منصات التواصل الاجتماعي مصممة لإعادة تشكيل عادات المستخدمين، حيث يسحب المستخدم ودون أن يشعر صفحة التحديث في فيسبوك للأسفل ليظهر له آخر المستجدات على هذه المنصات.

يطول الحديث عن إدمان مواقع التواصل الاجتماعي ومن الفرضيات الأكثر انتشاراً التأثير على بعض المناطق في الدماغ والتي تسمى منطقة التحفيز والمتعة (Eeward Circuit)، هذا الشعور باللذة والمتعة يزيد من إفراز الدوبامين بكميات متزايدة، ولتحقيق نفس المتعة واللذة بشكل دائم يجب قضاء ساعات متزايدة والقيام بألعاب متجددة وتحديات متنوعة بشكل تصاعدي، وهذا يشبه الإدمان على المؤثرات العقلية التي يتعاطاها المدمن بكميات متزايدة لتحقيق نفس المتعة رغم أن مفعول المؤثرات العقلية كيميائي بيولوجي وليس سلوكي كما في إدمان شبكات التواصل الاجتماعي. حيث تقوم فكرة المنصات الاجتماعية السيطرة على وقت واهتمام المستهلك، ويقول عالم النفس آدم ألتر مؤلف كتاب "لا يقاوم" أن إدماننا لوسائل التواصل الاجتماعي "لم يحدث مصادفة بل نتيجة مباشرة لنية الشركات مالكة المنصات الاجتماعية صنع منتج لا يستطيع الناس التوقف عن استخدامه وبالتالي يصبح مربحًا، وهي منصات لتتبع وتجميع وتحليل البيانات المتعلقة بكل أشكال حياتنا باستمرار، بالنسبة لتلك المنصات لسنا سوى منتجات يتم شراؤها وبيعها والتعامل معها وفقًا لسياسة العرض والطلب.

وبصورة دقيقة، فأن سلوكياتنا على منصات التواصل الاجتماعي تم برمجتها إلكترونياً وأصبح كل مستخدم سعيدًا أو حزينًا وفق ما يشاهده من محتوى وتفضيلاته، والمشكلة الأعمق هي الاستخدام القهري الذي أوجد مفهوم الإدمان على نطاق أوسع بكثير، فهواتفنا غيرت الطريقة التي نتفاعل بها مع المحيط ولا يمكن ألقاء اللوم على شركات التكنولوجيا التي وظفت أموالًا طائلة وقوة هندسية لا حصر لها، لتصميم أنظمة تجعلنا مدمنين عليها وتتنبأ بكل حركتنا، بل ألوم المستخدمين الذين تحولوا إلى مدمنين؛ صحيح أن إزالة جميع هذه التطبيقات خطوة بعيدة المنال بالنسبة للكثيرين، ولكن تقنين وقت الاستخدام هو الأفضل لكل مستخدم مهما كان عمره.



*********

هرمون الدوبامين مادة كيميائية أو هرمون موجود بشكل طبيعي في جسم الإنسان، يعزز من الشعور بالسعادة، بالإضافة إلى كونه ناقلًا عصبيًا، ويرتبط بالحالات الإدمانية، والاكتئاب. 

 




ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة باسل النيرب 2016 | تصميم : رضا العبادي