خلال شهر يونيو الحالي مّر على الشعب الأردني عدد من القضايا التي تركت آثارها الواضحة بعد سلسلة من الأحداث، ومنها مثالاً: مسلسل غلاء الأسعار، مقاطعة الوقود والدجاج، ليظهر متحرش جامعة العلوم والتكنولوجيا مروراً بالحادث المأساوي للطالبة إيمان إرشيد رحمها الله وانتحار القاتل بعد محاصرته، ثم بعد الانتحار استفاق الشارع على انفجار صهريج غاز الكلوريد في العقبة بعد سقوطه لخلل في السلامة العامة على الميناء.
قضيت 4 ساعات مستخدماً برامج تحليل في متابعة الهاشتاقات التي ظهرت في الحوادث السالفة الذكر وكان الاتجاه الواضح فيها:
1. انتشار التشكيك في الرواية الرسمية.
2. عدم انتشار الرواية الرسمية بين التغريدات الأعلى انتشاراً من قبل الجمهور حتى مع البيانات التي نشرتها مختلف الحسابات.
3. تحميل الأجهزة الأمنية والأمن الجامعي والجامعة مسؤولية التقصير.
4. تحميل الحكومة المسؤولية في مسألة ارتفاع الأسعار وعدم النهوض ببرامج لدعم الفئات الأكثر احتياجاً وضبط تغول التجار في مسألة ارتفاع الأسعار.
ضمن الصور والأفلام الأعلى انتشاراً:
1. مقارنة الأسعار وعرض الارتفاع في التسعير.
2. انتشار صور المغدورة والمنتحر في حادثة الطالبة إيمان رحمها الله
3. انتشار لحديث الملك وطلبه الإسراع في التحقيق وعرض نتائج التحقيق في أسرع وقت لكشف ملابسات الحادث.
4.صوت وصورة الحكومة ممثلة بكافة كوادرها غائب والمشهد الأبرز كان طرد مواطنة تحدثت أمام رئيس الوزراء من قبل وزير الداخلية في منطقة العقبة لأحد مصابي الحادث.
كل هذا دفعني بسؤال لماذا يظهر المحقق كونان في شخصية الأردني، ولماذا نميل دائمًا إلى التشكيك في الرواية الرسمية الصادرة من القطاعات الحكومية المختلفة والاتجاه نحو ترويج نظرية المؤامرة؟
العامل الأول وهو من الناحية التقنية هناك جانب مهم وهو تعامل الجمهور مع منصات التواصل الاجتماعي وفهم منصات التواصل الاجتماعي من خلال تحكم الخوارزميات فيما يظهر وما لا يظهر ومتابعة الترند كلها عوامل تؤثر في المتابعة والمواكبة لمعرفة المستجدات، فالمنصات الرقمية وتوالد الأخبار فيها وتناقلها لا تترك مجالاً للمستخدم وما عليه إلا المتابعة والمشاركة في التعليق، لذا من الظلم إلقاء المسؤولية على مستهلك المعلومات "الجمهور" وتجاهل تأثير تقنيات الوسائط الرقمية وخاصة خوارزمياتها وقدرتها على الـتأثير.
العامل الثاني أن الأجهزة الحكومية ومنذ حادثة البحر الميت مروراً بالمؤتمرات الصحفية الاستعراضية التي كانت خلال جائحة كوفيد 19 فقدت الحكومة الثقة الشعبية، وتركت الباب مفتوحاً للتأويلات وانتشار نظريات المؤامرة وهي لغة سائدة في الأوساط الرسمية والشعبية والنخبوية، وهي بعمومها غير معروفة المصدر ويمكن تصنيفها ضمن فئة المبالغة وتحمل دائماً النظرة السوداوية رغم أنها تستخدم الحجج المنطقية، ويتم تناقلها في المنصات الرقمية حصداً لـ اللايكات والتفاعل معها، وبمجرد التعمق في النظرية من خارج الدائرة يظهر الخلل المنطقي فيها ويمكن نفيها ورغم ذلك لا يجد التفنيد ذات الانتشار الذي حظيت به الكذبة القائمة على نظرية المؤامرة، ومن الكذبات التي روجت لنظرية المؤامرة في الأردن موضوع قتل الأجهزة الأمنية لقاتل الطالبة إيمان رغم وجود شهود عيان على حادثة انتحاره، وكذلك موضوع قتل المرضى المصابين بكوفيد 19 من قبل وزارة الصحة للحصول على تعويضات مالية من جهات رسمية دولية.
في الحالة الأردنية ما يحرك نظرية المؤامرة وانتشار لغة التشكيك المستمر طبيعة العلاقة ما بين الدولة والمجتمع، فالمجتمع يعتقد بوجود قوة خفية حاكمة على مستوى النخبة تحركها البيروقراطية ومؤسسات الدولة الأمنية تعمل على نشر الإشاعات وهنا "ربما" تعمل بعض الحكومات على نشر أحداث مؤيدة لنظرية المؤامرة لصرف الانتباه عن القضايا الملحة وليس بالضرورة أن مسلسل الحوادث الأخير مرتبط بنظرية المؤامرة.
حالة المحقق كونان الأردني لن تتوقف وسوف تستمر إلا إذا تم ردم الهوة العميقة ما بين الحكومة والمواطن، ومعالجة مكامن الخلل والفساد السياسي والاقتصادي والإداري، مع وجود خطاب إعلامي حقيقي مقنع بعيداً عن لغة الاستعلاء والتهميش بحجة لا أريكم إلا ما أرى، ومشاركة واقعية وحقيقية من وسائل الإعلام والمؤثرين في منصات التواصل الاجتماعي في نشر الرواية الرسمية بعد معالجة الخلل الأساسي وهو ردم هوة التشكيك فيما يصدر من تصريحات رسمية حتى لا يخسر مؤثري منصات التواصل الاجتماعي جمهورهم بسبب سوء إدارة الملف الإعلامي من قبل الدولة.

ليست هناك تعليقات