"قد يستطيع الإنسان تزييف الحقائق، وقد يسهل عليه أن يكذب ويكذب حتى يصدّق هو نفسه كل أكاذيبه، وينسى أنه مخترعها الأصلي، ولكن مع ذلك يبقى دائماً شيء واحد: الكلمة المكتوبة منذ آلاف السنين والآثار التي تحدّد بالضبط عمر الأشياء وعمقها، ومخطوطات التاريخ التي تظل دائماً المرجع وكلمة الصدق الوحيدة التي لا تميل مع أهواء البشر، وحتى إذا حدث ومالت، فبين سطورها تستطيع الحقيقة دائماً أن تجد مكاناً لها" | د. حسن ظاظا
بات المشهد في غزة اليوم لوحة سريالية مخيفة مزجت كل أشكال القتل على مّر التاريخ من القتل برصاصة مقصودة، والقصف المركز، والقتل حرقاً؛ لا بل تضمنت اللوحة مشاهد أكثر قساوة من مخيلة أديب وخاصة بعد حرب التجويع وتجميع المجوعين لقتلهم.
إرهاب إسرائيل في غزة ليس انحرافاً طارئاً؛ بل عودة للجذور التي تأسست عليها ومن أجلها إسرائيل منبع الكراهية والعنصرية، فمنذ تأسيسها على يد العصابات الصهيونية، بُنيت إسرائيل على العنف كأداة مركزية، وورثت الدولة بمختلف الإدارات السياسية والعسكرية والأمنية التي تعاقبت عليها هذه البنية الإرهابية داخل مؤسساتها.
من المهم التأكيد أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري يعيش وكأنه في ثكنة عسكرية، تُغطي فيها القيم العسكرية، وتمجيد القوة وتبرير العدوان الحياة العامة، والعربي دائماً هو العدو، وضمن مظاهر الحياة العامة بكل تفاصيلها وما تمارسه إسرائيل بشكل يومي ثقافة وسلوكًا حياتياً يعيش فيه الرجل والمرأة والطفل حيث يصبح القتل أسلوب حياة وكأنه مجتمع ولد ليقتل.
فالتوحش الإسرائيلي ليس حدث عابر؛ بل هو جزء أصيل من الشخصية الإسرائيلية، حيث يمكن للمتابع والدارس للشخصية الإسرائيلية فرد آلاف الصفحات لرصد التعليقات التي تثبت هذه الحالة، فهو حالة تكوينية وليست مؤقتة ضمن العقل اليهودي تتغذى من طبيعة الفكر التوراتي والتلمودي الذي يؤمن به المستوطن الإسرائيلي الذي وجد على أرض فلسطين.
مبررات التوحش
حسب تكوين الشخصية الإسرائيلية فهي شخصية لا تقبل التشارك كونها متشبعة بمقولة "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، ووفق المنظور الإسرائيلي "ارتس يسرائيل" هي وطن اليهود القومي، لهم الحقوق المطلقة فيها التي لا تقبل وجود الآخر، ولهذا يشكل قانون العودة الصار عام ١٩٥٠ العمود الفقري للصهيونية كما وصفة ديفيد بن غوريون، وهو قانون يمنح أيَّ يهودي تَرَك وطنَه المزعوم من “عدة آلاف السنين” الحقَّ في العودة ليصبح مواطنا (إسرائيليًا) فور عودته، وينكر، في الوقت نفسه هذا الحق على الفلسطينيين، بل ونفي وجود الشعب الفلسطيني، فقد نفت جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل، في تصريح لجريدة الصانداي اللندنية تايمز في 25 يونيو 1968 وجود شعب فلسطيني، وقالت: ” لاوجود للفلسطينيين، وليست المسألة وجود شعب في فلسطين يَعتبر نفسه الشعب الفلسطيني، وليست المسألة أننا أتينا وطردناهم، وأخذنا بلادهم. لا. إنهم لم يُوجدوا أصلا”.
ما يبرر التوحش مسألة أن اليهود شعب منزه مختار، وهي من أهم الأساطير المؤسسة التي تقوم عليها بنية الفكر الصهيوني، "شعب الله المختار" ولهذه المقولة تأثير واسع على العقلية اليهودية وتكرار عبارات من نوع (الاستثناء، والاستعلاء، القداسة) تشربها أطفالهم، وعملت على التأثير في سلوك وطريقة التعامل، حيث تعج التوراة بعبارات من نوع: "لأنك شعب مقدس للرب إلهك، وقد اصطفاك الرب لتكون له شعبًا خاصًا على جميع الشعوب على وجه الأرض"، وعبارات الاستعلاء من نوع: “يقف الأجانب ويرْعَوْن غنمكم.. أما أنتم فتُدْعَون كهنة الرب.. تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتآمرون”.
موضوع ملكية الأرض وما عليها مسألة مهمة في التوحش والعنف الإسرائيلي، فالنص التوراتي الذي نسبوه إلى موسى عليه السلام منح كما يزعمون وعد قطعه الرب على "أبرام" الذى هو إبراهيم عليه السلام لمنح الأرض لبني إسرائيل، فيقول النص التوراتي: “لِنَسْلِك أُعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات..”.، وللإحاطة فإسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي لا تُعرفُ حدودُها وترفض ترسيمَها لأن كل أراضي فلسطين التاريخية، والأردن، والعراق، وسيناء، هي من المنظور الصهيوني ملكية إلهية أبدية لدولة اسرائيل “الأرض التي تدوسها أقدامكم فهي لكم".
وأشار الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله في مقال منشور له بصحيفة الأهرام ٧ نوفمبر ٢٠٠٠ كيف ينظر المستوطن إلى الفلسطيني صاحب الأرض الفعلي، فبعد أن تشبع المستوطن بالمقولات التوراتية من (الاستثناء، والاستعلاء، القداسة) يشكل ظهور العربي على شاشة وعيي، بمثابة تحدي فالعربي بنظر المستوطن غير موجود فكيف يحارب مالك الأرض الأصلي، ويناقش عضو في مجموعة شعب الله المختار، وصاحب الأرض المطلقة، ولهذا يتحول المستوطن نحو العنف فالعرب عموماً لا يفهمون سوى لغة القوية.
تأصيل التوحش
ضمن الحديث عن التأصيل الديني والسياسي للتوحش في المجتمع الإسرائيلي واعتماد مظاهر القوة والقتل التي تنبع من المجتمع الإسرائيلي فهي قائمة من طبيعة المؤسسة الدينية المتمترسة خلف أشكال الحياة؛ وتشكِّل مجموعة من الكتب المصادر الأساسية للسياسية القتل في الفعل الإسرائيلي اليومي، وهي كتب العقيدة اليهودية، وفي مقدمتها العهد القديم "التوراة، الأنبياء، والمكتوبات"، وكتب الشرَّاح والمفسِّرين من الحاخامات كالتلمود "المشنا والجمارا والمدراش والهلاخا والهاجادا"، بما تتضمنه من أصول للمعتقد اليهودي، والأحكام والنصوص التاريخية والأخلاقية، وقوانين اليهود السياسية والمدنية والدينية.
يغذي الفعل الديني في المجتمع الإسرائيلي أفكار مؤسسي الصهيونية الأوائل مثل: موسى هس (1812- 1875م)، ليون بنسكر (1821- 1891م)، ثيودر هرتزل (1860- 1904م)، آحاد هاعام (1856- 1927م) دافيد بن غوريون (1856- 1922م)، وفلاديمير جابوتنسكي (1880- 1940م)، والتي تمثل المصدر الأول من مصادر التوحش وسياسيات القتل اليومي.
تبنّت هذه المصادر بكل ما فيها المسلّمات اليهودية وجعلت من التوحش مرتكزاً لها، فكرّست نهج القوة والعنف وحوّلت المقولات النظرية في العنف والقوة إلى واقع يومي على الأرض، بينما الحديث عن "السلام والعيش المشترك والمصالح المتبادلة" ما هو إلا لإشباع صفحات الكتب، وأروقة المنظمات الدولية، وعدسات الكاميرات، وصفحات منصات التواصل الاجتماعي، فيقول مناحيم بيغن "قوة التقدّم في تاريخ العالم ليست للسلام، بل للسيف" ، وتفضح النصوص التوراة والتلمود والعبارات الفلسفية للقادة المؤسسين حقيقة الممارسات الصهيونية بحق الآخرين "الغوييم" وتبيّن أن ما تنفذه إسرائيل تجاه الفلسطينيين ما هو إلا التعاليم التي تضمنتها الكتب المقدسة والشروحات وأفكار الجيل المؤسس الصهيونية ومن بعدها "الدولة".
ويقول جابوتنسكي: “هل رأيتم على مدى الزمن شعباً يعطي بلده بمحض ارادته؟ وعرب فلسطين كذلك لن يتخلوا عن سيادتهم من دون استخدامنا العنف ضدهم ”، ويقول مناحيم بيغن: "لقد قامت دولة إسرائيل بالدم والنار، بالإكراه والتضحيات، ولم تكن لتقوم بغير ذلك، ولكننا لم ننته بعد، يجب أن نحارب ونكمل قتالنا" ، وهو الذي يمجد مبدأ القوة فيرى: "أن السياسة هي فن القوة وأنت عندما تضرب الفولاذ بمطرقة فإن الجميع يتهيّبون صوت الدوي، وعندما تستعمل القفاز فإن أحداً لا ينتبه الى وجودك، ويضيف إن الأحذية الثقيلة هي التي تصنع التاريخ” .
ويؤكد منطق القوة الأدبيات المنشورة والمنقولة عن جيل المؤسسين، مثل ديفيد بن غوريون: الذي بين أن حكمة إسرائيل الآن ليست في الخلاص، بل في الحرب ، وإن إسرائيل لا يمكن أن تعيش إلاّ بقوة السلاح، لأن العرب لن يفهموا إلاً لغة القوة والتباحث معهم لا يجدي، وجسّد موشيه ديان فلسفة الحرب حين قال: "روعة الحرب تكمن في إبادة الرجل الضعيف "، وهو الفكر الذي طالما عبر عنه واعترف به دايان بقوله: “نحن جيل من المستوطنين لا نستطيع غرس شجرة أو بناء بيت من دون الخوذة الحديدية والمدفع. علينا ألاّ نغمض عيوننا عن الحقد المشتعل في أفئدة مئات الالوف من العرب حولنا. علينا ألاً ندير رؤوسنا حتى لا ترتعش ايدينا، انه قدر جيلنا، أنه خيار جيلنا أن نكون مستعدين مسلحين، أن نكون أقوياء وقساة حتى لا يقع السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة” .
وفق النصوص التوراتية والأدبيات السياسية الإسرائيلية ينبثق التطرف والعنف واستباحة الآخرين لا بل وسفك دمائهم والاستيلاء على أموالهم، وهناك من الشواهد تؤكد أن هذا التوحش والعدوان تحوّل إلى تعاليم وطقوس وشعائر، القاسم المشترك بين أطياف المجتمع الإسرائيلي طرد الآخرين بكل أشكال التوحش.
نهاية إسرائيل
انا مع الرأي القائل بأن إسرائيل بشكلها التي تأسست عليه العام ١٩٤٨ما هي إلا حركة لتخليص أوروبا من الفائض البشري اليهودي عن طريق نقلهم من أوروبا وتوطينهم في أية منطقة خارجها، واستقر الرأي على أن تكون فلسطين المكان نظراً لأهميتها الإستراتيجية، وارتباطها في الوجدان الغربي باليهود، فدورهم في فلسطين دور وظيفي لخدمة المشروع الاستعماري، ولأن الانتحار والهروب صفة أصيلة في تكوين المجتمع الإسرائيلي وحادثة قلعة "المسّادا" رغم ما فيها من تزوير لأن الراوي الوحيد لها تاريخيًا وجغرافيًا هو المؤرّخ اليهودي "يوسيفوس فلافيوس" 38- 100 ميلادي، والتي جاد فيها حسب الرواية الإسرائيلية أن جماعة صغيرة من المحاربين اليهود، حاربت حتى النفس الأخير في ظروف صعبة للغاية أمام جيش روماني يفوقها عدداً وعدة. وعندما لم ير المحاربين بصيص أمل، انتحروا بصورة جماعية تفادياً للوقوع في أسر الرومان.
التوحش الحالي الذي نشاهد تمدده ما هو إلا عنصر أساسي في تركيبة المجتمع اليهودي بكافه أطيافه، وكان أكثرهم صدقًا فلاديمير جابوتنسكي، أستاذ مناحيم بيغن، الذي كان بعيد كل البعد عن الاعتذارات الصهيونية والحجج الكاذبة بشأن شراء فلسطين والعيش المشترك أو السلام، والذي أكد صراحة أن الصهيونية جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي الذي لم يكن بمقدوره أن يحقق انتشاره إلاّ بحدّ السيف، ولذلك طالب منذ البداية بتسليح المستوطنين وتشكيل عصابات الإرهاب والقتل مثل: "الهاغاناه"، "إتسل"، "ليحي"، "البالماخ" وغيرها التي ارتكبت أبشع المجازر في قرى فلسطين، وبعد إعلان دولة إسرائيل برز إرهاب الدولة الذي هو أشد فتكاً وعنفاً مما كانت تقوم به المنظمات الإرهابية وعصابات القتل التابعة لها. وفي هذا المجال يقول البروفسور "يحزقيل درورو": “إن الشرط الأول لبناء دولة والاحتفاظ بها، هو احتكارها للعنف من خلال وضع حدود لمدى الضغط ووسائل النضال المسموح لجماعات المصلحة والرأي باتخاذها. فإذا تجاوزت جماعة ما تلك الحدود، يكون من واجب الدولة كبح جماحها من خلال استخدام الحدّ الأدنى من العنف المطلوب لذلك، ولكن من دون تردد زائد” .
وفي إسرائيل اليوم تدرك مجموعة صغيرة من المفكرين والمثقفين حجم التوحش عند الأنا الإسرائيلية وما يرتبط بها من القتل والتخريب والإهانة والتعذيب والتجويع للفلسطيني، مدركين أن أسلوب الاحتلال والتعامل اليومي مع الفلسطيني قائم على أساطير قومية، كما يوضح عالم النفس الإسرائيلي "يهوكيم شتاين" طبيعة الاحتلال الإسرائيلي وإشكالاته بقوله: “ان الاحتلال الإسرائيلي هو احتلال فريد من نوعه، لا مثيل له أو قرين في تاريخ الاحتلالات، والمحتل الإسرائيلي هو المحتل الوحيد الذي يعتبر نفسه كمن يقع تحت الاحتلال عاطفياً، لا يستطيع أن يعترف أنه محتل، ولا يستطيع أن يقرر إنهاء احتلاله” .
وفي النهاية أنقل ما قاله المفكر الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله، وهو تساءل مشروع "لماذا هاجس النهاية يطارد الإسرائيليين؟"، مجيبًا: "سنجد أنّ الأسباب كثيرة، ولكن أهمها إدراك المستوطنين الصهاينة أنّ ثمة قانونًا يسري على كل الجيوب الاستيطانية، وهو أنّ الجيوب التي أبادت السكان الأصليين مثل أمريكا الشمالية وأستراليا كُتب لها البقاء، أما تلك التي أخفقت في إبادة السكان الأصليين - مثل ممالك الفرنجة التي يقال لها الصليبية والجزائر وجنوب أفريقيا - فكان مصيرها الزوال".
المصادر:
- د. عبدالوهاب المسيري، نهاية التاريخ، المؤسسة العربية للنشر، بيروت، 1979 ص 105
- مكسيم رودنسون، اسرائيل واقع استعماري، وزارة الثقافة، دمشق, 1967 ص 72
- مناحيم بيغن، الإرهاب، دار المسيرة بيروت 1978 ص 352
- حسين طنطاوي، الصهيونية والعنف، المؤسسة العربية للنشر بيروت 1979 ص 16
- هيثم كيلاني، المذهب العسكري الإسرائيلي، مركز الأبحاث، بيروت 1969ص 410
- مناحيم بيغن، الإرهاب، دار المسيرة بيروت 1978 ص 352
- المجتمع الإسرائيلي بين الانقسام والتفكك، تم الحصول على المادة ١٤ يونيو ٢٠٢٥، http://alwaght.net/ar/News/93129/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D8%B3%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%83
- إحسان مرتضى، فلسفة العنف كضرورة حتمية في السياسة الإسرائيلية، العدد 44 - نيسان 2003، مجلة الدفاع الوطني اللبناني، تم الحصول عليه في ١٤ يونيو ٢٠٢٥، https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content/%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%81-%D9%83%D8%B6%D8%B1%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9
ليست هناك تعليقات