-->

الاثنين، 17 نوفمبر 2025

سردية الملصقات في إسرائيل

استغلت الألة الإعلامية الإسرائيلية كل وسيلة ممكنة للترويج لعدد من السرديات المتعلقة بالتاريخ والمرويات التوراتية والتي منها الربط بين التاريخ اليهودي وما تعرض له من اضطهاد عبر التاريخ، وبين الوضع الحالي، لتأكيد الحاجة إلى دولة قوية، الوقائع الحالية على الأرض هي حقائق ثابتة يجب أخذها في الحسبان في أي حل سياسي مستقبلي، استدعاء سرديات دينية وتاريخية تتعلق بأحقية اليهود بأرض فلسطين، الترويج لفكرة أن الشعب اليهودي له حق تاريخي في الأرض التي تشكل اليوم دولة إسرائيل، مستندة إلى تاريخ طويل من العلاقة الدينية والثقافية بالمنطقة، تبرير وجود إسرائيل استنادًا إلى فكرة دينية، حيث يُعتقد أن قيام الدولة هو جزء من خطة إلهية تاريخية لتحقيق العودة إلى أرض إسرائيل، التأكيد على أن حقوق اليهود في العودة إلى أرض إسرائيل ليست مجرد حقوق تاريخية أو دينية، بل هي حقوق قانونية، مستندة إلى اتفاقات دولية مثل وعد بلفور والمنظمات الدولية التي تعترف بحق اليهود في تأسيس دولة لهم على فلسطين.

والجديد ضمن هذا السياق حملة ملصقات يمكن متابعتها عبر وهي جزء من معركة كبيرة لم تتوقف حتى قبل إعلان دولة الاحتلال العام 1948، وكيف وهناك ثلاثة أعياد وطنية إسرائيلية غير دينية ترتبط بالحقوق التاريخية الدينية المزعومة، وهي: يوم هاشواه (ذكرى الهولوكوست)، يوم هازيكارون (ذكرى قتلى إسرائيل وضحايا الإرهاب)، ويوم الاستقلال، يُجسد هذا التسلسل قصة البروبجندا الإسرائيلية، وتروي تلك السرديات محاربة وقتل اليهود لافتقارهم إلى دولة؛ ولكنهم انتصروا كما تزعم تلك السرديات ببناء قوتهم العسكرية؛ والأرواح التي ضحوا بها من أجل إقامة تلك الدولة والدفاع عنها وهذا ما يُضفي عليها معنى.

هذه السردية تجدها في المؤلفات الأدبية، والموروث الشعري والسياق الإعلامي والسياسي، وفي المدارس الإسرائيلية، يتعلم الطلاب الكلمات الأخيرة المزعومة للبطل الصهيوني جوزيف ترامبليدور: "من الجيد أن تموت من أجل وطنك"، ويقيمون احتفالات سنوية بيوم الذكرى تكريمًا للجنود الذين سقطوا، ويسافر كل طالب تقريبًا في الصف الحادي عشر إلى مواقع معسكرات الاعتقال النازية في بولندا في رحلات مدرسية، فور بدء عملية الفحص العسكري.

ففي الإعلام والسياسة الإسرائيليين، وُصفت أحداث ٧ أكتوبر مرارًا بأنه "مذبحة"، مُعيدًا إلى الأذهان صورًا عن عجز اليهود الدفاع عن أنفسهم قبل وأثناء المحرقة، وقد استشهد رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" بهذه المقارنة مرارًا، واصفًا إياه بأنه "أسوأ هجوم على اليهود منذ المحرقة". 

في بداية الحرب عمدت الجبهة الداخلية الاسرائيلية إلى نشر سردية بصرية مختلفة على لوحات الطرق وميادين المواصلات العامة تتضمن رموز وشعارات تهدف إلى حشد ودعم المجهود الحربي الاسرائيلي والإشادة بما وصف بـ "أبطال" قوات الأمن الإسرائيلية، والشعار السائد: "معًا سننتصر"، حتى أن شركة "إيليت"، أقدم شركة قهوة في إسرائيل، أعادت تسمية "القهوة التركية" إلى "معًا سننتصر"، بعد أن أعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان دعمه للفلسطينيين.

السردية البصرية الثانية كانت في نشر صور الجنود الإسرائيليين وظهرت على محطات الحافلات، وأعمدة الإنارة، وأرصفة القطارات، وآلات البيع، ونوافذ المقاهي، وصناديق السيارات، وكانت هذه "ملصقات تذكارية" مطبوعة بشكل خاص، صممتها عائلات وأصدقاء ورفاق القتلى ضمن جهد شعبي للإعلان عن فقدانهم، ثم تسارعت وتيرة هذه الظاهر مع تفاقم الهجوم البري للجيش الإسرائيلي على غزة وتزايد عدد القتلى من الجنود واتخذت شكلاً موحداً. 

تحمل معظم الملصقات صورة جندي مبتسم يرتدي زيه العسكري، يحمل بندقية في كثير من الأحيان، أو صورة أمام سماء صافية أو منظر صحراوي، وتحمل العديد منها شارات وحدات الجيش الإسرائيلي، أو العلم الإسرائيلي، أو شعار "حرب السيوف الحديدية". 

تضمنت عبارات الملصقات نوعين من الرثاء، فمثلاً يظهر رثاء عبري متكرر "لينتقم الله لدمه" وقد استُخدمت هذه العبارة تاريخيًا لتكريم اليهود الذين قُتلوا لأنهم يهود، وهذه العبارة استشهد بها نتنياهو بعد إعلانه عن مقتل الرهينتين "عوديد ليفشيتز" وعائلة "بيباس"، واقتباسًا أو عبارةً تهدف إلى تجسيد روح المتوفى بعضها ذو طابع ديني، أو إشارة إلى القدس، أو عن تقديس اسم الله في الموت، بينما يعكس بعضها الآخر "ثقافة الوحدة"، من خلال لغة الثكنات العامية وإعلانات الإخلاص للوحدة، إلى جانب الفخر بالتضحية والشجاعة في مواجهة الموت، وبعضها يُضفي طابعًا أكثر رقةً وعاطفية، ويُقدم لمحاتٍ من شبابٍ مات فجأةً. 

في إسرائيل لا شيء يحدث ببراءة، وضمن سردية الحرب على غزة استخدمت الملصقات التذكارية كأدوات للدعاية الإبادة الجماعية، مُجنِّدةً الحزن نفسه في الحرب الدائمة، وتجذير للنزعة العسكرية في المجتمع وتغذية للذاكرة الجماعية المسيّسة، عارضين سردية عامة عن التضحية وتُقديس للمجهود الحربي لاستدامه الحرب، ولهذا لم تتوقف الحملات الإعلامية الرسمية والشعبية الإسرائيلية، فمن عبارات متكررة مثل : "يجب ألا نتوقف"، "مهما كان الأمر" أطلق منتدى البطولة وهو منظمة غير حكومية إسرائيلية مرتبطة بالحكومة، الإسرائيلية وتضم عائلات الجنود، وتحمل شعار  "حتى النصر!" - مقترنةً بصور الجنود القتلى. 

ركزت السردية الإعلامية للصورة هنا على الجنود ولم تتطرق إلى المدنيين وهي تحريض صامت على إكمال المهمة وتعكس ثقافة الحزن الإسرائيلي التي تمجد التضحية العسكرية كأسمى أشكال التضحية، ولهذا أطلقت وكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية (IGAA) حملة "الذكرى الثانية لـ ٧ أكتوبر" بحلول العام 2025 معلنةً أن الحرب على غزة عمل وطني جماعي، وسَعَت إحدى المبادرات إلى تحويل ملصقات الذكرى إلى رمز وطني موحد، رافقها أغنية مؤلفة بالكامل سجّلها مغني البوب "شلومي شبات"، بعبارة: "حتى النصر - ابتسامتك معي دائمًا"، وكجزء من مبادرة IGAA رفع شعار "وعليكم أن تتذكروا"، ثم حُمّلت آلاف الملصقات على موقع إلكتروني حكومي.

وختاماً، إن كانت البروبجندا الإعلامية الاسرائيلية أسست لجدار تذكاري افتراضي لعدد من القتلة المأجورين الذين واجهوا مصيرهم المحتوم في حرب غزة ٢٠٢٣ – ٢٠٢٥؛ فنحن العرب الفلسطينيين كم جدار افتراضي سنعمل؟ وكم عدد الصورة التي يمكن وضعها على هذا الجدار؟.. إن الحق والقصاص لا يسقط بالتقادم.


ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة باسل النيرب 2016 | تصميم : رضا العبادي