مدخل
كمهتم في تحليل ودراسة الإعلام الإسرائيلي لا بد من الاعتراف بأن "الهسبارا" وامتداها الإعلامي نجحت في فرض سرديتها ونشرها عبر مختلف الوسائل الإعلامية، وأخطر ما فيها قدرتها على نشر أفكارها وتتبنى الأقلام العربية للسردية الإسرائيلية والدفاع عنها وتبرير أفعالها واعتبارها منجزات بجب الالتفات لها. وتعني "الهسبارا" الشرح أو التفسير والتي اعتمدت كاستراتيجية دعائية إسرائيلية متعددة الأوجه تهدف إلى الدفاع عن كل ما تقوم به إسرائيل من أفعال، وتشكيل السرديات التي تدعم سياساتها الأمنية والعسكرية على كافة المستويات والجبهات، وهي استراتيجية متكاملة مع الأمن القومي يتم تنسيقها مع وحدات الجيش والاستخبارات وتنفذها هيئات حكومية إسرائيلية مختلفة بما في ذلك مكتب رئيس الوزراء ووزارة الخارجية قسم الإعلام.
وضمن المجهود الإعلامي الإسرائيلي تنشط الوحدة 8200 (الاستخبارات السيبرانية)، ووحدة العلاقات العامة في الجيش الإسرائيلي، وهناك ما أصبح يُعرف إعلاميًا بـ "شبكة أفيخاي" وهي منسوبة لـ أفيخاي أدرعي، الناطق السابق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتتشكل الشبكة من مجموعة حسابات فردية تتبنى السردية الإعلامية لـ "الهسبارا"، وتعمل ضمن بنية دعائية ممنهجة تدار من داخل وخارج الأراضي الفلسطينية المحتلة وبإشراف وحدات استخبارية إسرائيلية، وعالمية، وعربية، وفلسطينية وذلك ضمن سياسات التنسيق الأمني ما بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
العلاقات العامة الرقمية
حتى نفهم آليات عمل وطبيعة الخطاب الإعلامي وسرديات التصهين لا بد من الإشارة إلى دور وزارة الخارجية الإسرائيلية واستخدام العلاقات العامة الرقمية من أجل شرح مواقف إسرائيل للجمهور العربي والغربي، وخاصة في مجالي: "تحسين فرص التطبيع مع العرب"، و "تشجيع النخب العربية على الانفتاح مع إسرائيل"، ويؤدي مكتب منسق شؤون الأراضي الفلسطينية المحتلة في وزارة الدفاع الإسرائيلية دورًا كبيرًا في عملية إدارة حملات العلاقات العامة الرقمية، ويهتم بتوظيف نشاطات مكتبه على مواقع التواصل باللغة العربية لمحاربة العمليات الفردية، والتحريض الشامل على الفلسطينيين، واستغلال هذه الصفحات في تجنيد مواطنين عرب وفلسطينيين.
تعمل العلاقات العامة الرقمية من خلال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات على بناء تواصل فعاّل ثنائي الاتجاه مع المستخدمين باستعمال الوسائط الرقمية، وتقوم بتوسيع التغطية الإعلامية وتسرِّع من نشر المعلومات وتعزِّز العلاقة مع وسائل الإعلام، ومع انتشار سائل التواصل الاجتماعي لا يمكن الفصل بين منصات التواصل الاجتماعي والعلاقات العامة التي تطورت لتصبح قناة تواصل لمختلف الجهات وتحولهم إلى من مشاركين إلى فاعلين، وهنا تحقق هدفها في زيادة الظهور على الإنترنت، وتحسين محركات البحث والظهور على وسائل التواصل الاجتماعي.
وامتدادًا للصراع الإعلامي التقليدي؛ استغلت إسرائيل العلاقات العامة الرقمية في الصراع السياسي والعسكري واستخدمت العلاقات العامة الرقمية لتعزيز صورتها الذهنية من خلال تقديم نفسها كـ "دولة السلام والمحبة والتسامح"، والترويج لرواية الترحيب الكبير بها من قِبَل الشعوب العربية، وركزت على التقارب الثقافي مع شعوب المنطقة، ويقوم بهذا الدور جيش كبير من الناطقين بالعربية لتحقيق أهدافها السياسية والأمنية على مواقع التواصل الاجتماعي لبناء سردية إعلامية عابرة للحدود.
والأغرب في هذه السردية أن تتبناها أقلام عربية لتحقيق غايات العلاقات العامة الرقمية الإسرائيلية ومن ضمنها المنظمين تحت عار شبكة أفيخاي لتبييض وجه إسرائيل أمام الرأي العام العالمي والعربي، وتعزيز صورتها الذهنية والتحريض على الشعب الفلسطيني وحقة الطبيعي في الدفاع عن الأرض.
شبكة الطابور الخامس
ليس المجال هنا لذكر أفراد بعينهم أعضاء في الطابور الخامس الإعلامي لشبكة أفيخاي فهم لا يختلفون عن الشخصيات الإسرائيلية النشطة على المنصات الاجتماعية مثل مسؤول الإعلام العربي في الجيش الإسرائيلي سابقًا ️أفيخاي أدرعي، أو إيلا واوية وهي عربية مسلمة أخذت دور أفيخاي حاليًا، أو إيدي كوهين يهودي لبناني، وأوفير جندلمان، وصفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية"، وصفحة "إسرائيل في مصر"، وصفحة "إسرائيل في الأردن"، وغيرهم والمتحالفين معهم من العرب المنطوين تحت عار شبكة أفيخاي الذين يعمدون على نزع الشيطنة من الجيش الإسرائيلي وزرع الشك والانقسام داخل الرأي العام العربي لضرب السرديات القومية والدينية في العالم العربي، والتأثير المعلوماتي من خلال بث الإشاعات والتسريبات وإثارة الفوضى وتأجيج الانقسامات الطائفية والسياسية في المحيط العربي.
وبهدف كشف الطابور الخامس في شبكة أفيخاي فإن الأساليب والاستراتيجيات الإعلامية التي تنطلق منها الشبكة هي الأهم وليس الأسماء رغم انتشارها، لذا فكل من ينطبق عليه العمل وفق تلك الأساليب والاستراتيجيات فهو مكوّن طبيعي لهذا الطابور الذي يتشكل ويمارس دورة بانسجام مع وحدة 8200 من خلال تسويق الأكاذيب المبنية على أنصاف الحقائق، وتشكيل روايات مغلوطة لتبرير الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
تضم الشبكة نشطاء وصحفيين هاربون من قطاع غزة ومرتبطين أجهزة أمنية، ويقدم أفراد الشبكة تقارير وآراء تبريرية وأدلة مزيفة تدعم الرواية الإسرائيلية وتوفر غطاءً أخلاقيًا تستفيد منها إسرائيل لتقدمها للمنظمات الدولية ضمن إطار الحرب النفسية المنظمة.
ويمكن حصر خطورة الطابور الخامس الرقمي بكل تحالفاته بأنه وسيلة لجمع البيانات الشخصية عن المتابعين والمعارضين من خلال الروابط والصفحات الوهمية، واستغلال التعليقات والمنشورات العامة لاستهداف المؤثرين لاحقًا عبر التشهير أو الضغط السياسي، وإرباك الرأي العام وتشويش الوعي الجمعي العربي والعالمي تجاه ما يجري في فلسطين المحتلة.
صممت أفكار شبكة أفيخاي لاختراق الوعي عبر شخصيات رقمية مصمَّمة بعناية لتكون سلاحًا في الحرب مستغلين الكلمات وقوة الخطاب وعدد المتابعين لتحقيق التفاعل والانتشار للتواصل مع الجمهور، ولنشر السردية الإسرائيلية وتقليص الحاجز النفسي وترويج لصورة الاحتلال كطرف يدافع عن نفسه ومكوناته بشكل "أخلاقي"، مما يعيد صياغة القناعات والمعتقدات بطريقة ممنهجة.
وضمن أساليب عمل شبكة أفيخاي يتم استغلال الأحداث الساخنة لبث رسائل تحريضية وتشويه للأحداث الحقيقية، والتواصل والتفاعل والنشر من خلال صفحات حقيقية أو إنشاء صفحات مزيفة واستغلال صفحات عامة موجودة لتحقيق الاختراق المعنوي من خلال زرع التشكيك، وإثارة الخلافات الداخلية، والترويج للرواية الإسرائيلية لتحييد التأييد الشعبي، وإسكات المؤثرين والنشطاء المؤيدين لفلسطين عبر حملات تشويه وتهديدات ضمنية وشيطنة لهم وصولاً إلى خلق بيئة رقمية خانقة تشبه الرقابة الذاتية تدفع المستخدمين للابتعاد عن التفاعل السياسي
استراتيجيات الطابور الخامس
سم شبكة أفيخاي يمكن ملاحظته في تزييف الوعي العربي تجاه القضية الفلسطينية، ومن خلال تكرار استخدام مجموعة من العبارات المسكونة كذب وافتراءات وتحريض لنشر سردية الخطاب الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وينطلق المخطط من مقولة "جان جاك أمبريه" في سياق رصد التأثير على شعب ووطن يقاوم والتي تقول: "إن الغزو بالنحو يعقب الغزو بالسلاح"، وهذه العبارات ما هي إلا إحدى حلقات تطبيق إستراتيجية الخداع وادعائها المزعوم بأنها ترغب في العيش في سلام خلافاً لحقيقتها التي قامت على الاغتصاب والخداع، والحديث عن الواقعية السياسية والفوضى الأمنية والمغامرة السياسية، وتبني المصطلحات الأمنية الإسرائيلية وتجاهل مسلسل القتل اليومي والتجويع بحق المدنيين، وحجم الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل، ويمكن ملاحظاتها بالتالي من خلال العبارات التالية:
- اللعب على أوتار الكلمات والجمل الناعمة الجاذبة للعقول غير الواعية واعتبار إسرائيل جسر سلام وبيئة استقرار مع الجمهور العربي.
- الحديث عن الهموم المشتركة في جلب السلام للشعبين والمكون الواحد للشعب الإسرائيلي والعربي، وعبارات من نوع التعاون والتقارب والمستقبل الواحد.
- المشاركة في الموضوعات الرائجة وصناعة الترند لتجاوز حاجز المقاطعة الإعلامية لتسريب السردية الإسرائيلية وتشكيك المتابعين العرب في المؤسسات الحاكمة، وتشكيك المواطن العربي في عدالة قضيته.
- المناورات اللغوية لتغيير الوعي وتسمية كل فعل من أفعال مقاومة للاحتلال باسم الإرهاب.
- الإنكار والاعتذار بشكل معاكس؛ وإلقاء اللوم والمسؤولية على الطرف الفلسطيني مع تحميل الطرف الفلسطيني المسؤولية وتأكيد إسرائيل على السلام والتعايش المشترك.
- التهوين وإلقاء اللوم بشكل مفرط على الطرف الفلسطيني لإقناع الجمهور بأن ما حدث ليس بالأمر الخطر من الجانب الإسرائيلي والطرف الفلسطيني هو المسؤول الأول عما حدث.
- الطرف الأكثر تصهيناً ضمن شبكة أفيخاي يرون أن الإسرائيليين هم أصحاب الأرض، وتُقدِّم الفلسطينيين بالمعتدين الذين يمارسون العنف والقتل ضد الشعب الإسرائيلي المحب للسلام.
- تبرير الجرائم التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في حق الفلسطينيين وأنها ليست سوى دفاع عن الوطن والمواطنين الإسرائيليين.
- الشعب الإسرائيلي يستطيع التكيف مع الشعوب الأخرى خلافًا للفلسطيني الذي يريد القتال.
- التكرار واللغة التوكيدية وذلك تحقياً لتوجهات"غوبلز" وزير الدعاية الألمانية "إن سر الدعاية الفعّالة لا يكمن في إذاعة بيانات تتناول آلاف الأشياء، ولكن في التركيز على بعض الحقائق فقط، وتوجيه آذان الناس وأبصارهم إليها مراراً".
- إطلاق المسميات وتكرارها على الأسماع بهدف إلى التصالح مع هذه التسميات وذلك في اتجاهين الأول تلميع الصورة الذاتية إسرائيل، والثاني شيطنة الخصم والعدو الفلسطيني.
- نقل بيانات الجيش الإسرائيلي ومنها على سبيل المثال أوامر نقل السكان من جنوب القطاع إلى شماله أو العكس وعدم الاقتراب من القوات العسكرية ومنع الدخول إلى البحر أو الاقتراب من الحدود والمناطق المعلن عنها والتبرير المتكرر الحفاظ على السلامة العامة.
الخلاصة
ما نراه ليس عفوياً؛ بل هو استراتيجية محسوبة لإدارة الصراع إعلامياً ونفسياً، ومن الأدلة الداعمة خطاب نتنياهو أمام الكنيست في 22 نوفمبر 2017، بمناسبة 40 عاماً على زيارة الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات رحمه الله، لإسرائيل وقال: إن "الشعوب العربية والرأي العام العربي تعرضا على مدار سنين طويلة لعملية غسل دماغ وتشويه لصورة إسرائيل، إلى درجة بات كأن هناك حاجة لإزالة طبقات جيولوجية من الوعي العربي لتحسين صورة إسرائيل، وللوصول إلى سلام بين الشعوب"، وفي علم النفس الحديث يقوم هذا الأسلوب على بناء معتقدات ومن ثمّ تفسيرها عبر الأفكار التي تبرز في رسائله، ليبدأ الجمهور فعلاً بتبنّي هذه السردية وصولاً إلى الشك ما يجعل أي معلومة لاحقة ولو كانت مضلّلة قابلة للتصديق.
والغريب أن من يقوم بفعل الشيطنة وإعادة صياغة البنية الفكرية التي تشكل هذا الرأي أقلام ولسان عربي وهو ما تقوم به شبكة أفيخاي ضمن حرب الوعي للتأثير في مواقف الجمهور ومشاعره عبر أدوات نفسية وإعلامية مدروسة، ويجسّد ذلك الهدف الأساسي للحرب النفسية التي تُعرَّف وفق نظرية "الرصاصة السحرية" لدى "لاسويل" كأداة ذات تأثير قوي قادرة على إحداث استجابات فورية وموحّدة لدى الجمهور بما يتوافق مع نوايا المرسل وأهدافه لسرقة العقول وزرع السم فيها ولإقناعهم بجار اسمه إسرائيل يجب التعايش معه وتقبله بكل مساوئه.
وختاماً هناك فرق ما بين نقص الوعي والمعرفة، وتبني الرواية الإسرائيلية رغم سمومها الواضحة، فمشكلة تلك حسابات العار ضمن شبكة أفيخاي أنها خلطت بغباء ما بين خطاب "الدولة إسرائيل"، وخطاب "التبرير" لأهداف الاحتلال، وهذا ما يقوم به الموزّعين المحليين من العرب لمواد الحرب النفسية الإسرائيلية بتبني خطاب التبرير، فشبكة أفيخاي والمنطوين في فلكها ليست كيانًا تنظيميًا واحدًا، بل منظومة متعددة الأطراف يجمعها هدف واحد تبني السردية الإسرائيلية لتفكيك الوعي الجمعي الفلسطيني، وإيصال الرسالة بسرعة أكبر للمتلقي، واستجابة طوعية مدفوعة لتسويق سياسة الاحتلال الإسرائيلي وتجميل صورته الذهنية السلبية وبناء صورة إيجابية بشكل فعال ومؤثر لدى الرأي العام العربي.

ليست هناك تعليقات