تتشكل البنية القانونية الإسرائيلية الحاكمة على فلسطين من إرث الاستعمار البريطاني، وورثت إسرائيل "أنظمة الدفاع (الطوارئ) لعام 1945" التي شرّعها الاستعمار البريطاني خلال فترة الانتداب وأصبحت ضمن قانونها المحلي بعد عام 1948، ثم أعادت إنتاجها في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن الأوامر العسكرية عقب احتلال عام 1967، وسمحت هذه التشريعات للانتداب البريطاني بفرض عقوبة الإعدام على أربع فئات وهي من اتهم بإطلاق النار على أشخاص وإلحاق الضرر بهم؛ واستخدام أو حيازة متفجرات أو سوائل حارقة؛ والانتماء إلى منظمات محضورة مثل التنظيمات الفلسطينية التي تتبنى الكفاح المسلح؛ ونقل أو تصنيع وسائل قتالية دون ترخيص.
عند تأسيس إسرائيل 1948 تقلصت عقوبة الإعدام واقتصرت على القضايا التي تُصنف بأنها مشابهة للنازية والجرائم ضد الإنسانية وفق قانون أقرّه الكنيست عام 1950 تحت اسم "قانون الإبادة لعام 1950"، وعزّز قانون القضاء العسكري محاكمة عناصر النخبة عام 1955 مضيفًا جرائم يُعاقب عليها بالإعدام تشمل الخيانة العظمى والتعاون مع العدو، وترك المواقع العسكرية أمام قوات معادية.
خلال الحرب على قطاع غزة التي امتدت 2023- 2025 طرحت أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل أمام الكنيست مسارين متوازيين لتسهيل فرض عقوبة الإعدام، تضمن المسار الأول أن يكون الإعدام حكمًا ملزمًا في جرائم القتل "بدافع إرهابي" ومعادٍ لإسرائيل؛ والثاني إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة منفذي أحداث 7 أكتوبر على أن تستند هذه المحكمة إلى مرجعيات "قانونية" تتيح فرض الإعدام والعقوبات الاستثنائية، مثل "قانون الإبادة لعام 1950".
والباحث في التاريخ الفلسطيني يدرك أن عدد المشانق التي نصبت خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين (1922-1948) تجاوزت 300 مشنقة كان منهم يهوديان فقط، ومن أشهرهم شهداء انتفاضة البراق عام 1929 محمد جمجوم، عطاء الزير، وفؤاد حجازي، والشيخ فرحان السعدي الذي أعدم بعمر الـ 81 عامًا، في 27 نوفمبر 1937، بعد اعتقاله بتهمة حيازة أسلحة نارية، بينما كان صائمًا في شهر رمضان.
بعد إقرار الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون عقوبة الإعدام الذي قدّمه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتامار بن غفير، إذ ينص قانون الإعدام الذي هو تعديل على قانون العقوبات الإسرائيلي الحالي على إعدام من يُزعم أنهم قتلوا إسرائيليين لأغراض قومية وبمعنى أدق "معادية للسامية" سيحول إعدام المعتقلين الفلسطينيين إلى مشهد استعماري كطريقة مُفضلة للعقاب.
مقترح بن غفير ما هو إلا لتشريع سياسة القتل باسم القانون وفي أبريل 2023 قدّرت الهيئة الفلسطينية لشؤون المعتقلين والمحررين أن 236 فلسطينيًا قُتلوا في الحجز الإسرائيلي منذ عام 1967، وفي المقابل وخلال الفترة ما بعد 7 أكتوبر لقي ما يقرب من 100 فلسطيني حتفهم في الحجز وهو معدل قتل يزيد بنحو عشرة أضعاف عن المتوسط التاريخي، ويشير تقرير صدر في نوفمبر 2025 عن منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل إلى أن هذا قد يكون في الواقع تقديراً أقل بكثير من الواقع، وذلك بسبب وجود (على الأقل) 14,000 من سكان غزة الذين ما زالوا في عداد المفقودين ويفترض أنهم لقوا حتفهم أو اختطفوا وقت كتابة هذا التقرير.
منذ احتلال العام 1967 والمطالبات السياسية والأمنية باستخدام عقوبة الإعدام ضد الفلسطينيين لم يُنفّذ أي حكم بالإعدام في المحاكم العسكرية الإسرائيلية؛ فكل الأحكام التي صدرت خفّفت إلى السجن المؤبد مكرر في مرحلة الاستئناف أو مدى الحياة، وتبنّت الحكومة الإسرائيلية قراراً وجّه النيابة العامة إلى الامتناع عن طلب عقوبة الإعدام في القضايا المصنّفة "إرهابية"، ومنذ ذلك الحين عاد النقاش إلى الواجهة داخل إسرائيل عقب هجمات فلسطينية خلفت قتلى في إسرائيل، مثل عملية مطار اللد عام 1972 التي أسفرت عن 24 قتيلاً، واستمر هذا النقاش طيلة سنوات الاحتلال؛ فمثلا عاد النقاش بقوة بعد العملية التي قتلت فيها عائلة فوغل العام 2011، وعلى الرغم من الضغط الشعبي والسياسي رفضت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تنفيذ سياسية الإعدام لتحافظ على صورتها الدولية في ظل حساسية ملف حقوق الإنسان، والخوف أن يؤدي تنفيذ أحكام الإعدام إلى تشجيع عمليات خطف الجنود والمدنيين بغرض المقايضة والإفراج عن المحكومين بالإعدام.
في إسرائيل ثمة سابقتي إعدام ليس للفلسطينيين علاقة بهما الأولى كانت بعد الأشهر الأولى من النكبة 1967 حيث تم تنفيذ أول عملية إعدام في إسرائيل بعد اتهام مئير توبيانسكي وهو ضابط في الجيش الإسرائيلي أتهم بالتجسس وخضع لمحكمة عسكرية وتم إعدامه رمياً بالرصاص ثم تمت تبرئته لاحقاً بعد وفاته. والقضية الثانية هي محاكمة أدولف أيخمان (1961–1962)، وهو ألماني أدانته المحكمة الإسرائيلية بجرائم ضد الشعب اليهودي ارتكبها خلال الهولوكوست، وتم إعدامه في 31 مايو 1962، والحكم الثالث في منتصف الثمانينيات وحكم بالإعدام على إيفان جون ديميانيوك الذي اتُّهم بالتعاون مع النازيين قبل أن تُلغى العقوبة في الاستئناف بسبب الشك في هويته.
وصحيح أن إسرائيل لم تنفذ أي حكم إعدام بحق فلسطينيين عبر المسار القضائي؛ ولكن الإعدام خارج نطاق القضاء للسجناء كان دائماً سياسة مصلحة السجون الإسرائيلية، وقد نفذت آلاف عمليات الإعدام بحق الفلسطينيين خارج القضاء أهمها الحكم بالقتل المتعمد أثناء الاعتقال وبدون قرار قضائي، والاغتيالات المستهدفة التي شرعتها المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2006، "بشروط صارمة" تتعلق بالمشاركة المباشرة في الأعمال القتالية وضرورة التحقق من عدم مقتل مدنيين أثناء الاستهداف، وسياسات الإهمال الطبي المتعمد بحق الأسرى أو التعذيب أثناء الاعتقال والتحقيق، وفي المجتمع والدولة الإسرائيلية لا فرق بين يمين ويسار، معتدل آو متطرف، متدين أو علماني، فطالما يعيش في فلسطين المحتلة فهي جزء أساسي من المشروع الصهيوني العالمي، والحديث عن توجهات وآراء ترفض قرار الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين ما هو إلا كذب وخرافة لا داعي لها، فمن يعتقد بوجود رافضين لقانون إعدام الأسرى فقد أغلق على إنسانيته، ودخل في كهف الصمت عن قتل أكثر من ٧٠ ألف فلسطيني في قطاع غزة مع آلاف المفقودين والمعاقين.
وختاماً سيصبح الإعدام شنقاً في إسرائيل مشهداً استعمارياً مكرراً يتم تنفيذه، ولن يحقق الردع والأمن للمستوطنين، وعبارة "فلسطين عربية" التي سمعناها في الدراما العربية قريبًا سوف نسمعها ونشاهدها مع إصرار بن غفير وإقرار الكنيست الإسرائيلي عقوبة الإعدام بحق معادي السامية.

ليست هناك تعليقات