دخلت مدنية نيالا عاصمة جنوب دارفور مساء يوم الجمعة الموافق 31 أكتوبر في الطائرة القادمة من الخرطوم إلى الفاشر ومن ثم وصلت إلى مدينة نيالا حيث امتدت الإقامة لمدة يومين في رحلة إلى جنوب دارفور شرحت معنى النزوح وحياة المعسكرات فتلك المعاني التي نُقلت من الآباء والأمهات وحتى الدراما التي ساهمت ينقلها لم تكن واضحة إلا عندما تشاهدها بنفسك .. العيون الحائرة والأجسام الهزيلة في منقة لا تتوفر فيها أي نوع من الخدمات.
دارفور 2003 بداية النزوح ... وفلسطين 1948 بداية اللجوء الزمن طويل ولكن المعاناة واحدة والهم واحد والسبب واحد... شاهدت في دارفور ما لم نشاهده في الفضائيات على اختلافها فأهل درافور كما كان واضحاً قطعوا الأمل من إخوانهم العرب والمسلمون ولا تسمع على لسان الأطفال إلا كلمة ok تقول لهم السلام عليكم ويهزوا برؤوسهم وكأنك تتكلم بلغة غريبة عنهم هناك أطفال لا يعرفون تحية الإسلام وأي جواب لأي سؤال هو كلمة ok أما كلمة الخواجا فتجدها على لسان الكبار العوام منهم قبل الأطفال.
في معسكرات النازحين في دارفور (الدريج والعطاش) شاهدت الأطفال عراة شاهدت الأم التي تسقط على الأرض تعباً ومرضاً والرجل يهرب من منزله ويهيم على وجهة في أرض تبلغ مساحتها نحو خمس مساحة السودان كاملة.
أطفال معسكرات النازحين يبحثون عن شربة ماء شاهدتهم يتصارعون على بقايا علبه ماء كانت في يدي طلبها أحد منهم وأعطيتها لأول ذراع امتدت لها أخذها مفتخراً فهو لم يشرب الماء إلا من "الزير" أو من المشارب المائية التي وفرتها المنظمات الأممية.
طفل أخر أخذ ما بقي من علبة مشروب غازي كانت ملقاة على بجانب إحدى الخيام وأنزل في فمه نقطة أو نقطتين وكانت علامات الاستمتاع بادية على وجهه فهو لم يذق منذ أشهر وربما سنوات طعم المشروبات الغازية.
في درافور الأمهات هن أكثر الموجودات مع الأطفال في المعسكرات فالزوج أما قتل أو هام على وجه بحثاً عن عمل في بلدة لا يجد أبنائها أي عمل فيخرج صباحاً ويعود إلى منزلة أقصد بيته القشي المغطى بالبلاستيك ويزيد همه هم نقص الخدمات الطعام والشراب. في درافور والله لنسأل شاهدت أطفال يلبسون ملابس من قطعة واحدة في وقت تنخفض درجة الحرارة إلى 10 درجات في مثل هذه الأوقات في طقس ليلي بارد جداً.
في دارفور غابت المنظمات الإسلامية وحضر المنصرون وغاب دعاة الدعوة، أما والمدرسة المخصصة للحفاظ على بقايا التعليم هناك فهي من القش وهناك مدرسة لتعليم النساء القرآن الكريم من مختلف الأعمار والمسجد لا يختلف كثيراً عن سابقيها إلا من حيث المساحة والمكان.
في درافور تنتشر الخرافات شاهدت الأطفال متعلقين بالتمائم حول أعناقهم ولماذا الخوف لا أعلم فلا الوضع الصحي سليم ولن تنفع التميمة ولن تقي من المرض والموت فالجميع هناك حيث الموت هو الحل الأسهل ينتظر رحمة ربه عز وجل. في درافور شاهدت صور لم تنقلها عدسات المصورين شاهدت وجع القلب وذل النفس والإحباط و المعاناة فهي معاني لا تصور ولا تخرج على شكل تقارير تلفزيونية ولكن تشعر بها بقلبك عندما ترى طفل يبكي أو يبحث عن شربه ماء وأم تلملم صغارها حولها وهي على وشك الولادة وأخرى لا حول لها ولا قوة تجمع الحطب وقد تعود وقد لا تعود سالمة إذا حل الليل.
في نيالا عاصمة جنوب درافور تجد نوعين من الحياة حياة المعسكرات الثلاث (كلما، الدريج، العطاش) وحياة المدينة التي لا تبعد مسافة عشرة كيلومترات عن أي من المعسكرات الثلاث ففي المدينة حياة أخرى ولكن ليست مثل حياة العواصم أو حتى مدينة الخرطوم ولكنها مدينة هادئة عرفت الاستقرار طوال فترة أحداث دارفور عموماً.
حاولنا الذهاب إلى معسكر(كلما) إلا أن مضيفينا من صندوق رعاية المرضى في السودان رفضوا بإصرار لأن دخول المعسكرات عموماً سهل ولكن متى عرف سكان هذا المعسكر أننا عرب تتضح الشراسة فوراً في تصرفاتهم. في دارفور تجد المطاعم الشعبية التي تمتاز بها المنطقة ولكن تكتشف أنه لا يعمل بها أي من ابناء النازحين تجد نساء مع بناتهن وأطفالهن يعملون في تقديم أطباق من الوجبات السودانية الشهيرة وفي وسط الساحة المخصصة لهم تجد الرجال من يقوما بعملية الشواء في طريقة لا تحظى بالكثير من الظروف الصحية. خلال فترة وجودي في معسكرات النازحين لم أشاهد أي من الداخلين إلى المعسكرات يحمل كيساً فيه بعض ما تحتاجه الأسر من أغذية أو مستلزمات أولية بل يعيشون على ما تصرفه هيئات الإغاثة من معونات شهرية.
على جانب آخر من المدينة (نيالا) كانت ثلاث نسوة يجمعن من القمامة ما فاضت به الأطباق أمعنت النظر في حركة ثلاث نسوة يجمعن بقايا اللحم ويزيلن ما علق به من أوساخ في كيس بلاستيكي مستخرج من القمامة هذا المنظر كان الأشد إيلاماً وسط مشاهد درافور. في نيالا يمكن أن نميز بين نوعين من الأطفال، أطفال يذهبون إلى الحلقات وآخرون يطفون أزقة المعسكر بدون هدف بحثاً عن أي مساعدة من الغريب القادم. النوع الأول من الأطفال هو من شعر أهله أن يحتاج أن يكمل تعليمه وغالبية أبناء هذه الفئة من أبناء من كانوا يعملون في الزراعة أو من كانت لهم تجارة قبل الحروب التي عاشها الإقليم، سمعت هؤلاء الأطفال وهم يقرؤون الآيات القصيرة والأناشيد الإسلامية وعندما دخلت البوابة المكونة من كيس بلاستيكي كان الأطفال ينشدون طلع البدر علينا ولكن بلهجة سودانية مشكلة من مختلف أبناء النازحين وكلهم مع بعض دون النظر إلى موضوع العمر فلا تجد توزيع على حسب العمر فلا المساحة تسمح ولا المدارس في المدينة قريبة.
أما الأطفال الآخرون الذين يطفون الشوارع والأزقة فهم في صراع مستمر بينهم على زعامة المجموعة وقد عكسوا بشكل واقعي حالة الحرب لكن بعقلية الأطفال. تمشي فيمشون خلفك وأمامك الجريء منهم يطلب منك أن تصوره أو يأخذ شياً من متعلقاتك أو يأخذ ما بقي من جرعة الماء ومع ذلك فهم مهما حدث أطفال عاشوا زمن الجوع والقهر والبرد بسبب الحرب، وحتى الآن لا أعرف كيف يتقى الأطفال برد الصحراء وفي ساعات الصباح خصوصاً فالبرودة تلف المكان مع أن دخان النيران التي أحرقت القرى ممكن أن تشاهده من بعض المناطق في مدينة نيالا.
حياة المعسكرات حياة نساء وأطفال فالرجال إما قتلوا أو غادروا المعسكر إلى غير رجعة ولا معيل للأطفال إلا ما تجود به المنظمات التي تعنى بهم وينقل لنا أحد الأخوة ممن يعملون مع المنظمات التطوعية أن سيدة تعيل أطفال لها اتجهت إلى ممارسة فعل الحرام حتى تحصل على قوت أطفالها فعلم بها الأخوة في المنظمات الإسلامية ووفروا لها بسطة لتبيع فيها حتى تبتعد عن هذا الطريق وبحد الله ابتعدت عن ذلك وهناك قصص كثيرة من هذا النوع.
ما شاهدته في العيادة كان أكثر إيلاماً نساء بملامح نساء تحمل الواحدة منهن طفلها وتأتي إلى العيادة لشعورها بالتعب ثم تكتشف أنها حامل في شهرها الأول وفي وقت لا تستطيع أن تجد الماء النظيف للشرب فكيف بالأكل الصحي الكامل الذي تحتاجه أي حامل. نساء دارفور نساء صابرات على الجوع والظلم وهجر الأزواج وغياب الخدمات وعلى البرد وعلى الكثير من قسوة الحياة. صورة أخرى لنساء درافور فأثناء تصوير فريق العمل طبيعة التعليم في دارفور جاء شيخ المسجد وقال النساء محبطات وينتابهن الغضب الشديد لأنكم لم تدخلوا عليهم وهم يقرؤون القرآن وقال لي ارفع معنوياتهم وصورهن فقط وفعلاً ما إن دخلنا عليهن في حلقتهم الخاصة وسلمنا حتى علت الأصوات في القراءة في تناغم جميل وقد شاهدت في وجوهن بسمة جميلة وثقة وأمل بنصر الله القريب. وفي جانب آخر من المعسكر كانت مشروع تنمية المرأة فقد وفرت لهم مؤسسة التنمية والإعمار التابعة لرابطة العالم الإسلامي مشروع عمل حصير من القش وكل واحدة من الفتيات تقوم بعملها بطريقة جميلة متناغمة. وللفرح مكان كنا قد سمعنا أصوات طبل وزغاريد وعندما وقفنا على باب المعسكر كانت زفة عروس والغريب أن للفرح مكان وسط هذا الخرب. دارفور لعبة أممم ومنظمات وهم محتاجون إلى الدعاء والملبس والمأكل والماء النظيف.

ليست هناك تعليقات