-->

الخميس، 25 يونيو 2020

البخل المعرفي والأخبار الكاذبة

مع انتشار الأخبار الكاذبة يتكاسل البعض عن التفكير للتحقق من صحة المعلومة وتسمى هذه العلمية عند علماء النفس بالبخل المعرفي وهذا يُسهل انخداعنا بالأخبار الكاذبة.
وفي ذات السياق انتشرت قصة وهي: "أبو إميلي لديه ثلاث بنات، الأولى تدعى أبريل، والثانية مايو، فما اسم الثالثة؟" وكانت الخيارات يونيو، يوليو، أغسطس وهي ترتيب أشهر السنة الميلادية، وضمن فهم السؤال بسياق خيارات البخل المعرفي ستكون الإجابة التلقائية "يونيو"؛ ولكن الإجابة الصحيحة هي إيميلي، ما يتطلب التوصل إلى الإجابة التروي، بدلاً من التسليم بالإجابة البديهية. 
ووفقاً لعلم النفس، فإنّ العقل البشري يميل إلى التفكير وحل المشكلات بطرق بسيطة لا تتطلّب جهدًا وطاقة كبيرة بدلًا من لجوئه إلى الطرق الأكثر تعقيدًا بمعنى أنّ الدماغ يميل إلى البحث عن حلول للمشاكل التي تواجهه بشرط أنْ تتطلب أقلّ جهدٍ عقليّ دون النظر عن مدى ذكائه وهذا ما سماه علماء النفس الإدراكي بمصطلح البُخل المعرفيّ " Cognitive miser".
وهي تطوير لنظرية العالِم الساذج " naïve scientist" التي اقترحها عالم النفس النمساوي فريتز هيدر عام 1958 واعتقد فيها أنّنا كبشر نسلك سلوك العالِم الساذج في محاولتنا لفهم العالم من حولنا، إذ أنّنا نميل دومًا إلى بناء علاقاتٍ بين ما نعتقده سببًا ونتيجة، دون أنْ يكون هناك أيّ علاقةٍ بينهما أي أنّنا نميل إلى قياس وتحليل العالم من خلال تبنّي تفسيراتٍ ونظريّات معيّنة لتفسير الأشياء من حولنا والتنبؤ بها بهدف التحكّم بها، دون أنْ تستند تلك التفسيرات إلى المنطق والعقلانية
وفي كثير من الأوقات، قد يكون اللجوء للمعلومات السابقة أو الاختصارات المتوافرة أمرًا جيدًا، إذ يساعدك على على اتخاذ القرارات بسرعة دون الحاجة للتفكير العميق، لكن المشكلة أن مثل هذه الاختصارات والمعروفة في علم النفس بمصطلح الاستدلالات "Heuristic"، يمكن أن تؤدي إلى ارتكاب أخطاء وانحيازات معرفية.
وفي حقل الإعلام ضمن شيوع الأخبار الكاذبة حول فايروس كورنا ستجد أن الكثير من القصص تم تداولها وهي خاطئة ولكن المتلقي لم يبذل جهداً في التحقق منها ولجأ الدماغ إلى المعلومات السابقة والمتوفّرة لديه من التجارب الماضية لاختصار الجهد والوقت في إيجاد الحلول والقرارات والاستدلال بما يتوافر من معلومات مستخدمة أو منقولة من تجارب سابقة أو معلومات عن المرض.
وهذا يدخل ضمن ما يسمى "بالاستدلال المُتاح"، والذي يعني أنّنا نميل لاتخاذ القرارات وإطلاق الأحكام بناءً على الأمور والعوامل التي تخطر على عقولنا أولًا بكل سهولة، بمعنى أننا في خضم مواقفنا اليومية ومحاولتنا لاتخاذ القرارات قد نتذكر الكثير من الأشياء بسرعة أكبر من غيرها، والتي غالبًا ما تكون مشابهة وذات صلة للموقف الذي نحن فيه.
لكن ما هو مهمٌّ أكثر أنّ الإنسان قادر على تدريب نفسه لتجنّب الخضوع للبخل المعرفيّ الذي يجده الدماغ الحلّ الأمثل في كثيرٍ من الحالات، فمن خلال تدريب العقل على التفكير العميق والتبطّؤ باتخاذ القرارات وعدم الوقوع ضحية الأفكار المسبقة، يمكن لنا أنْ نحلّ الكثير من سوء التفاهم الناشئ في العالم من حولنا، كما يمكننا بكلّ تأكيد اتخاذ قرارات أكثر حكمة وعمقًا من تلك التي نتخذها ونحن نسعى لتجنيب أنفسنا الجهد الناتج عن التفكير.
وحتى لا تقع ضحية الأخبار الكاذبة ما عليك إلى تنشيط الذكاء المعرفي ومن ثم التوقف عند أي مشاركة إذا كانت لديك أي شكوك حول دقتها، مع التحقق من المصدر، والحصول على المعلومات من المصادر ذات السمعة العالية والحذر المشاركات العاطفية والأخذ بعين الاعتبار التحيزات .. وختاماً قد تكون الأخطاء المطبعية والتنسيقية مؤشرًا على عدم الدقة.

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة باسل النيرب 2016 | تصميم : رضا العبادي