لا تزال اللحظة التي قدَّم فيها وزير الخارجية الأميركي الأسبق، كولن باول، في 5 فبراير 2003، خطابًا مُفَبْرَكًا أمام مجلس الأمن الدولي ضد العراق، مشهودةً عندما عرض ما اعتبرته الولايات المتحدة "أدلة" على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل وإيوائه لعناصر من تنظيم القاعدة، وفي 31 ديسمبر 2010 نقلت صحيفة "لونوفيل أوبسرفاتور" عن كولن باول اعترافه بأن خطابه الذي اتهم فيه العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل أمام الأمم المتحدة كان كذباً.
ومع بدايات 2020 وظهور التناول الإخباري لـ فيروس كوفيد 19، عادت الأخبار الكاذبة من كبرى الشركات العالمية للتربع على محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي. وفقاً لـ "مؤشر التضليل العالمي" The Global Disinformation Index؛ تواصل المواقع الإلكترونية المضللة في الإتحاد الأوربي الاستفادة من إعلانات Google، وتصل قيمة أرباحها السنوية إلى 75 مليون دولار؛ بينما يصل عدد المواقع الأوروبية المضللة أكثر من 70 ألف موقع يقدم محتوى مزيف، مع ملاحظة أن Google وشركات أخرى وقعت مدونة سلوك طوعية تابعة للاتحاد الأوروبي، تتطلب منها "تحسين التدقيق في مواضع الإعلانات لتقليل عائدات مقدمي المعلومات المضللة" ورغم ذلك تواصل الأخبار الكاذبة الانتشار.
تعتمد صناعة الأخبار الكاذبة على تطويق الرأي العام بالبيانات المزيفة والتحليلات المفبركة، واستثارة حالة من الخوف والترهيب، تجاه ما يراه القائم بالفبركة خطرًا، في مسعى منه لخلق حالة الفوبيا والكراهية إزاء ما يعتبره خطرًا مُهدداً لنسق الحياة العامة ولنموذج النظام السياسي والاجتماعي القائم خلف نشر الأخبار الكاذبة.
وظاهرة تصديق الأخبار الكاذبة لها جذورها القديمة فقد رافقت صناعة ونقل الأخبار المزيفة والمفبركة مسيرة الإنسانية، ولم تولد المبالغة والتهويل في عصر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي فقط؛ بل هي لعبة الإنسان منذ أن تعلم الكلام وأتقن رواية القصص، ولكن كان الخبر المزور ينتقل ببطء شديد، ويؤثر في مجموعة صغيرة وضمن منطقة جغرافية محددة وهذا ما أشار له عالم النفس كيث آبلو Keith Ablow. واليوم مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وسرعة تداولها تحت مسمى #عاجل أسهمت في ترسيخها، فقد سلبت من الجمهور الوقت الكافي للتَّحقُّق من الأخبار بسبب كثافتها وتدفقها وسرعة انتشارها فيمكن لأي خبر أن ينتقل بسرعة فائقة وينتشر في أنحاء العالم.
قد تكون دوافع الأخبار العاجلة الكاذبة سياسية، اقتصادية، اجتماعية، نفسية وعنصرية، وهذا يدفع الفرد إلى حالة من الخوف التي تثيرها الشبكات القائمة على عملية صناعة الأخبار الكاذبة، وتدفعهم للتفاعل مع السرديات البديلة التي ينتجها الخطاب المُفبرك والتوحد معها؛ الأمر الذي يجعل الجمهور واقعًا في دائرة الأخبار الكاذبة، وكلما زادت الأخبار الكاذبة وما ارتبط منها من أحداث ازاد معها التخويف وزاد تعلق الجمهور بها.
علمياً لا يوجد أداة صداقة تمامًا يُمكن لها أن تقول أن هذا الخبر كاذب أو صادق؛ ولكن الأنسب دائما تفعيل مجموعة من الأدوات التي تقوم على بناء مرجعية معرفية للتحقق تقوم على بناء قدرات الفرد في التفكير النقدي وخاصة في مسائل التداول الإخباري؛ فبعضُ الأخبار العاجلة تحتاج ساعات على الأقل أو عدة أيام أحيانًا قبل أن تظهر الحقيقة ويظهر معها الأطراف ذوي المقاصد الخبيثة، وهنا يتحقق عندي مطلقي الأخبار الكاذبة خلق حالة من الانقسام والتخوين بحق الطرف الآخر، وتحقيق استفادة مالية سريعة لدى مستهلكي الأخبار الذين قد يساهمون من جانبهم بنشر الأخبار الكاذبة دون قصد.
إن امتلاك المهارات الأساسية في التفكير النقدي ومعرفة أداوت التحقق من (النص، الصورة الفيديو، المصدر) وفهم كيفية مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، ومعرفة الطريقة المثلى للاستجابة في حال التعرَّض للأخبار العاجلة كفيل بضعف نشرها وانتشارها. وعواقب نشر المعلومات الكاذبة وما تحمله من خطورة ربما لا يدركها الجميع ولكننا في عصر التواصل الاجتماعي نعيش في بيئة إعلامية مختلفة؛ حيث تنتشر الأخبار العاجلة والكاذبة بكثافة أكثر وبسرعة أكبر ومن مصادر متعددة جدًّا، والكل يبحث عن الاعجاب وإعادة التغريد متناسين أن تكرار المعلومات الزائفة والكاذبة قد يؤدي بالجمهور ليس إلى إعادة مشاركتها ولكن إلى حفظها وتصديقها.
ليست هناك تعليقات