مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وما آلت إليه طبيعة الرسالة الاتصالية أصبح المرسل هو المستقبل وأصبح المواطن هو الصحفي، وتسابق الجميع على التصوير والنقل المباشر والكتابة في المنصات الاجتماعية والمدونات، ومع ذلك فلسنا ملزمين بنقل كل ما يصل إلينا، وأن نكون أول وأسرع الناقلين، ولكن الواقع المشاهد أننا كُلنا بلا استثناء وقعنا في مصيدة الاستعجال؛ ثم نجد بعد ذلك أن الخبر أو المعلومة المنقولة هي شائعة أو خطأ أو حتى لا تمثل أي إضافة في النقل للجمهور، ولم تسلم منها حتى المؤتمرات الصحفية لناطق رسمي، فالمهم أن أسجل الحدث وأشاركه عبر مجموعاتي الخاصة والمتابعين والحقيقة التي لا أنكرها أن الكثير من عمليات النقل قص ولصق ومن باب إثبات الوجود أو حتى أنال مجموعة من اللايكات من المتابعين.
عندما أتهم رواد مواقع التواصل الاجتماعي في الاستعجال والنشر دون وجود أي قيمة للمادة المنشورة إلا الحصول على السبق والأولية؛ فأنا هنا لا أبرأ الإعلام "الرسمي" الذي وأد الحقيقة على لسان مجموعة من الناطقين الرسميين والمثقفين الذي اتجهوا سريعاً للفضائيات لتحقيق الشهرة سريعًا في رحلة تعتمد على المال والشهرة والمعرفة وهو ما أشار له الدكتور/ عبدالوهاب المسيري رحمه الله في مذكراته (البذور والجذور والثمار) محذرًا من الذئاب الثلاثة الشهيرة (المال، الشهرة، المعرفة) التي يمكن أن تطارد الإنسان في الحياة، ثم تحدث المفاجأة بالموت ولا أحد يعلم عنه بعدها شيئًا.
والحاصل تكونت لدينا شللية إعلامية لها حضورها وجمهورها تقدم محتوى غير مقنع شديد الارتباك والتردد، والطرف الآخر ينتقص منها دائمًا وينظر بعين الشك على كل التفاصيل الصادرة منه، حتى لو كانت آية من القرآن الكريم، والمجتمع بات شديد الارتباك والتردد حيال النقيضين، فمنهم من يندفع نحو استحسان التفاهة والرداءة وتشجيعهم على الغباء والجهل وآخرين انتقدوها دون هوادة.
نشأت هذه الشللية بشكل غير رسمية ولكنها تحظى ببعض الدعم عندما يشارك فيها مسؤول حكومي سابق أو عضو مجلس نواب أو يتبنى أصحابها موقف قريب من الموقف الرسمي دون النظر إلى الطرف الآخر، هذا الاستقطاب للإعلاميين جاء على حساب المصالح العليا للوطن وهو واحد من أهم مهددات الاستقرار المجتمعي الذي بات على المحك اليوم بعد أن أصبحت المناصب العليا في المؤسسة الإعلامية لمن يخدم التوجهات التي نسمع عنها ولا نراها مدونة في أي وسيلة رسمية، فهي تخون كل من لا يتفق معها من خلال مصادرة الرأي الذي يمثل توجه المجتمع، أو فرض الرأي المخالف، أو الانتصار للنفس بشيطنة المخلصين لوطنهم، أو تقزيمهم، واتهاماتهم بالانتماء لجماعات أو أحزاب خارجية، أو استعداء السُّلطة عليهم، أو تخوينهم، أو تتبع عثراتهم وتضخيمها، أو اجتزاء النصوص والكلمات من سياقها لتخدم غاياتهم، أو دبلجة مقاطع مبتورة من سياقها لتخدم هدفاً معيناً يراه ذلك الإعلامي محققاً لرضا المسؤولين عن المؤسسة الإعلامية والنافذين فيها، أو غير ذلك من الأساليب الإعلامية التي يعلمها كل ممارس للمهنة ومتابع مهتم.
الشرشحة والتشويه وأمراضها التي تمارسها شلليات الإعلام بحق المخالف لها من الطرفين ينطبق عليه ما أشار له الدكتور غازي القصيبي رحمه الله "لا شيء يقتل الكفاءة الإدارية مثل تحول أصحاب الشلة إلى زملاء عمل" وهي المؤشر الذي نحتكم له عند حصول من لا يستحق على منصب أكبر منه.
ليست هناك تعليقات