نعيش في عصر له عدة سمات تتعلق كلها بالتطور التكنولوجي، فنحن في عصر الذكاء الاصطناعي، وتطبيقات التواصل الاجتماعي، والـ Big Data، وعصر الأخبار الكاذبة؛ والسؤال المهم إلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي توليد أخبار كاذبة وقادرة على خداع الجمهور ونشر البلبلة والتأثير على الرأي العام؟
في البداية الأخبار الكاذبة موجودة ووصلت إلى أوج انتشارها خلال الحرب العالمية الثانية على يد جوزيف جوبلز، واليوم يستقي الجميع معظم معلوماته من فيديوهات اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي، ومدونات منتشرة تحمل في طياتها جزء من الحقيقة، والكثير من الأخبار الكاذبة التي لها أهدافًا مختلفة منها ما هو سياسي واقتصادي، أو تعمل على تأصيل خطاب الكراهية واغتيال الشخصية، ومنها ما يحمل صبغة تسويقية لدفعك للمشاهدة أو القراءة.
مع التغول التكنولوجي دخلت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لكشف الأخبار الكاذبة ثم تطورت إلى المشاركة في كتابة الأخبار الكاذبة وأصبحت أحد أبرز وسائل البروباجاندا، والكثير من الأخبار التي تنشر يمكن بتحليل بسيط الكشف أنها كاذبة ومن صنع خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت تنشأ محتوى ضار وبسهولة، ويمكن لها تقليد منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، وأي محتوى نصّي آخر، وتكتب قصصًا مزيفة، وتنشر تغريدات وهمية، ومع ذلك فإن خوارزميات برنامج الذكاء الاصطناعي ليست مقنعة دائمًا لمن يملك حس التفكير النقدي، فعند إعطائها أمرًا فوريًا، فإنها في كثير من الأحيان تنتج عبارات هشّة، يمكن اكتشافها بسهولة لأنها محتوى لغوي مُركب على عجل، ولكنها تتعلم مع التجربة والممارسة وقادرة على إنتاج محتوى واقعي يعكس التطورات الحديثة في تقنيات تعلم الآلة للغة.
أما كيف تتعلم الآلة بناء أخبار كاذبة، فالأمر ليس بذلك الصعوبة وضمن مسألة حوسبة اللغة يتم استحداث تقنية متطورة يتم فيها استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعي ضد بعضها لتنشئ محتوى مزيف باحترافية، ويقوم برنامج بإنشاء خبر كاذب ثم يمرره إلى برنامج آخر مصمم لكشف الأخبار الكاذبة، وإذا تمكن البرنامج الثاني من كشف الخبر الكاذب، فيتم تمرير تلك المعلومة للبرنامج الأول ليحسن من جودة المحتوى الكاذب الذي ينتجه ثم يمرره للبرنامج الثاني وهكذا.
وبذلك تزداد سرعة تعلم الآلة لتلك البرامج ويزداد ذكاءها وتتحسن "حبكة" الأخبار الكاذبة، وما ينطبق على النصوص ينطبق كذلك على انتاج فيديو وصور مفبركة بطريقة محترفة تعرف باسم Deep Fake يضاف عليها الصوت، وتخضع للتدريب على تلك البرمجيات ليصعب اكتشافها مع تكرار التجربة والتعلم، وصحيح أن قلة هي من تستخدم برامج الذكاء الاصطناعي في صناعة هذا النوع من الأخبار الكاذبة ولكن الكثير يتأثرون بها.
على المستوى العالمي هناك 6500 لغة يتم التحدث بها حول العالم ولديها موارد بيانات نادرة داخل نطاق تعلم الآلة ومن ضمنها اللغة العربية، فجملة ما يشكله المحتوى العربي على الإنترنت لا يزيد عن 2% في أحسن الأحوال، لهذا تجد انتشاراً للأخبار الكاذبة باللغة العربية والكشف عنها صعب، وهذا ما أشار له الدكتور غسان مراد، أستاذ اللسانيات الحاسوبية في الجامعة اللبنانية لأن المعلومات المدونة بالغربية العربية والصحيحة تُنشر غالباً دون ذكر المصادر، بالإضافة إلى صعوبة التعرف الآلي على الكلمات والجمل العربية المنشورة على شبكات التواصل.
وختامًا مع انتشار ثقافة التيك أواي، وتعدد منصات التواصل الاجتماعي والرغبة في متابعة كل ما هو جديد أصبحت القراءة سريعة وأسهمت في قولبة المجتمع ضمن اتجاهات محددة ورسخت أفكارًا بات من الصعب تغييرها، منها الاتجاه إلى تصديق المعلومات المثيرة وتجاهل الحقيقة بعد الكشف عن المعلومات الكاذبة، ومع ذلك يبقى الإنسان خط الدفاع الأول فالتفكير النقدي البشري هو أفضل خط دفاع، فعندما تقرأ خبراً وقبل مشاركته اسأل نفسك عن المصدر، والمصداقية والمستفيد من نشره وتحقق من نشرة على منصات عالمية معترف بها إن كنت لا تملك أدوات التحقق والمراجعة للمادة المنشورة.

ليست هناك تعليقات